رياض سيف
تجربتي في مجلس الشعب، أوهام
الديمقراطية في ظل الاستبداد....
على هامش الانتخابات التشريعية
لعام 2007، وجدت من الضروري والمفيد عرض تجربتي الخاصة في مجلس الشعب وما عانيته
وكابدته في سياق دفاعي عن حقوق الناس وعن وطن متطور ومزدهر وخالٍ من القهر
والفساد، عسى أن تشكل معيناً لكل الراغبين في التصدي للهموم العامة وتكشف واقع هذه
المؤسسة وشكلية دورها.
البدايات
كان النجاح في تجربتي
الصناعية هو دافعي الأول والأهم لدخول معترك الشأن العام وخوض انتخابات مجلس الشعب
في الدور السادس عام /1994/. وما أعتبره نجاحاً تسلسل من ورشة لصناعة القمصان عام
/1963/ إلى تأسيس شركة أديداس الجديدة، عام /1993/ بعد حصولي على امتياز التصنيع
من الشركة العالمية، وهو الامتياز الأول من نوعه في سورية، غطى انتاج المصنع السوق
المحلي، وتم تصدير الفائض إلى مختلف دول العالم وبخاصة دول الاتحاد الأوربي. وهو
يحمل علامة أديداس العالمية وعبارة "صنع في سورية". وقد وفر هذا النشاط
الصناعي أكثر من 1600 فرصة عمل منتجة حرصت أن تكون في جو راق من العمل الجماعي،
مفعم بالحب وروح التعاون والانتماء. حيث كانت الشركة تؤمن للعاملين فيها الدخل
المجزي والخدمات الممتازة كما تقدم لهم وجبات غذائية، وتوفر الرعاية الصحية من
خلال عيادات للطب البشري والأسنان والعيون، إضافة إلى حضانة أطفال متميزة ومسبح
وفرق مسرحية وموسيقية دون إغفال الخدمات الاجتماعية للعاملين وعائلاتهم، مما انعكس
على الإنتاج كماً ونوعاً. وكان أملي أن أتمكن في حال صرت نائباً، من تعميم هذه
التجربة على مختلف مجالات الإنتاج والخدمات في سورية، عبر المؤسسة التشريعية التي
يفترض أن تجمع الكل الوطني، وتراقب عمل الحكومة وأجهزة الدولة.
بدأت الفكرة تتبلور من خلال
تمنيات عدد من الأصدقاء المهتمين والمطلعين على تجربتي الصناعية، وتشجيعهم لي لترشيح
نفسي متيقنين من نجاحي، خاصة وأن أجهزة السلطة قامت بحملة واسعة تروج لوعود
الإصلاح التي ستبدأ مع انتخابات مجلس الشعب. وقد زارني في نفس الفترة مدير منطقة
داريا لنفس السبب علما أنني لم أكن في يوم من الأيام لأهتم بأي انتخابات لقناعتي
التامة بأنها شكلية ومرتبة ومعروفة النتائج سلفاً.
جاء بياني الانتخابي مقتضباً،
يؤكد على توظيف الصناعة لحماية الإنسان وتوفير حاجاته وحفظ كرامته، ويحث على عدالة
التوزيع التي تضاعف الإنتاج وتحقق الرفاه. وكنت أعتقد كما يفعل غيري بأن كسب
الأصوات يتطلب افتتاح مضافة تعلو فيها أصوات الطبول وعامرة بالعراضات وفرق السيف
والترس، وتقدم فيها الأراجيل للزائرين، إضافة لإشهار الاسم في مختلف أنحاء المدينة
على لافتات كبيرة مع عبارة انتخبوا مرشح مدينة دمشق.
في يوم الانتخاب، توزع أكثر
من 2000 شاب وفتاة من موظفي الشركة ومن الأهل والأصدقاء على مراكز الانتخاب للعمل
فيها تطوعاً، مبرهنين عن كل ما لديهم من محبة وحماس، مما كان له التأثير الكبير
على النتائج.
دخول مجلس الشعب
بدأت عملية فرز الأصوات.
وبسبب إرهاق الحملة الانتخابية، ذهبت إلى البيت لأخلد إلى النوم باكراً، دون أي
اكتراث لما ستكون عليه النتيجة. حيث كان الأمرعندي سيان، النجاح أو الفشل. فالنجاح
جميل لأنه يعطي الشعور بالانتصار ويضع قدمي في خطوة أولى على طريق تنفيذ ما أحلم
به، لكن ثمنه سيكون اقتطاع جزء من وقتي وجهودي واهتماماتي بالشركة للقيام بما
يتطلبه موقعي الجديد كعضو في مجلس الشعب.
استيقظت فجر اليوم التالي على
ضجيج المهنئين الذين أعلموني بأني حصلت على أعلى الأصوات بين المرشحين المستقلين
من الفئة ب عن مدينة دمشق. وكانت تلك اللحظة أحد أهم المنعطفات في حياتي، حيث
عاهدت نفسي على أن أكون وفياً للثقة التي منحني إياها أبناء دمشق. وبدأت التحضير
لهذه المهمة بتخصيص مكتبي الرئيسي في مركز المدينة للنشاطات المتعلقة بمهمتي
الجديدة في مجلس الشعب، مع كادر يكون عوناً لي في جمع المعلومات وتحضير الدراسات.
كانت جهودي طيلة الفترة الأولى
كعضو في مجلس شعب (1994 - 1998) تنصب على المطالبة بالإصلاح الاقتصادي والمالي،
وإزالة العقبات التي تعترض تنشيط الصناعة الوطنية، وإعادة التوازن بين الدخل
وتكاليف المعيشة، والتركيز على محاربة الفساد الذي اعتبرته مصدراً لكل الشرور أو السبب
الأول لكل التردي والإخفاقات والمصائب التي عانى منها الشعب السوري ولايزال، ولم
أكن قد توصلت بعد إلى حقيقة إن الفساد نتيجة طبيعية للاستبداد وابن شرعي له. وهكذا
دخلت معركة دونكيشوتية أو غير متكافئة مع الحكومة ومافيات الفساد، كانت نتيجتها
الطبيعية في نهاية الدور التشريعي أن خرجت مهزوماً منها، وقد خسرت كل ما جنيت في
حياتي، ومرتهن لديون ولضرائب بعضها مفتعل وبعضها ظالم، إضافة إلى خسارتي الجسيمة
بفقد ولدي إياد (21 عاماً) في ظروف غامضة وملتبسة في 2 آب 1996.
علمتني تجربة أربع سنوات في مجلس
الشعب، أن لا علاقة لهذه المؤسسة بالتشريع ومراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، كما
يفترض بأي سلطة تشريعية أن تمارس حقها الدستوري، وكما هو حال برلمانات العالم
المتحضر. بل يقتصر دوره على الشكليات ربما لإنجاز عملية تجميلية، تظهر النظام
بمظهر ديمقراطي تجاه العامة من المجتمع السوري والعالم الخارجي. خاصة وأن دستور
عام 1973 يعطي الحق لرئيس الجمهورية بإصدار مراسيم تشريعية أثناء انعقاد دورات
المجلس وخارجها وبين الدورين التشريعيين.
كانت كل القوانين المقترحة
من الحكومة تقر بشكل روتيني بعد إفساح المجال للأعضاء بمناقشتها صورياً، دون
التمكن من إجراء أي تعديل جوهري على مضمونها. وكثيراً ما كانت الحوارات والنقاشات
مفبركة من قبل رئيس المجلس. وكأنها تجري بطريقة مسرحية من قبل جوقة من الأعضاء
أصحاب المواهب في الخطابة والتضليل الإعلامي من المنتمين لحزب البعث أو لأحزاب
الجبهة الوطنية التقدمية، دون أن يكون هناك معنى حقيقي لعملية التصويت. وإذا صادف
أن غرد أحد الأعضاء الجدد خارج السرب، وأصر على السباحة عكس التيار، فسرعان ما
يعاد إلى الطريق المرسوم بالترغيب إن أمكن أو بالترهيب والتأديب إذا تطلب الأمر
ذلك، وهنا تكمن مشكلتي مع المجلس والحكومة.
لقد بدات معاناتي مع احتجاج
وزير المالية على أول مداخلة قدمتها في المجلس بتاريخ 15/11/1994، واستمرت من خلال
مقاطعات متكررة لرئيس المجلس أو أحد الوزراء في غالبية المداخلات التي قدمتها إلى
أن بدات تظهر جلياً مضايقات وزير المالية بفرض ضرائب مجحفة أو مفتعلة، وقد قبلت في
هذه الفترة دعوة للقاء مدير مالية دمشق الذي بشرني على الهاتف أنه سيعلمني بأمر
يسرني كثيراً، وفي اللقاء بدأ حديثه أننا أبناء حارة واحدة وأنه يريد مساعدتي
والتوسط لي لدى وزير المالية "ليكف بلاه عني" وأضاف قائلاً "أنه
لامانع من بعض النقد وأنا سأنبهك على النقاط التي يمكن أن تنتقد بها كما فعلت مع
بعض زملائك في المجلس" وبعد الانتهاء من جلسة الموازنة سأرتب لك لقاء مع
الوزير!!
تهديدات رئيس مجلس الوزراء
بتاريخ 14/09/1996 نشرتُ
دراسة موسعة تحت عنوان "الركود الاقتصادي في سورية - الأسباب والحلول"،
لاقت تلك الدراسة اهتماماً وانتشاراً واسعين، وتم نشر العديد من التحليلات
والتعليقات عنها. منها ما نشرته "نضال الشعب" بتاريخ 06/02/1997 بقلم
الأستاذ محمد الجندي الذي ختم مقالته بالمقطع التالي "كل أنواع الخلل
الاقتصادي المذكورة في نشرة السيد رياض سيف هي نتائج تفصيلية لكون إدارة الاقتصاد
الحالية هي واقعياً غير وطنية وأول خطوة للخروج من ذلك هي أن تعمل الإدارة
السياسية على بناء إدارة اقتصادية وطنية".
في اليوم التالي لنشر تلك
الدراسة، قمت بزيارة رئيس مجلس الوزراء في مكتبه فشاهدت نسخة من المقالة المذكورة
على طاولته. وفاجأني بقوله: "هل أنت الوحيد الوطني ونحن لسنا وطنيين.. حسناً
يمكنك أن تقول وتكتب ما تشاء، ونحن سنفعل ما نشاء". وبالفعل لم يتأخر في
تنفيذ تهديداته. ومن تاريخ تلك الزيارة وحتى نهاية عام 1997 تسلمت 32 إشعاراً
حكومياً بين نزع ملكية وبيع بالمزاد العلني وحجوزات وفرض ضرائب وإنذارات تطال كل
الشركات التي أنا شريك فيها، بما في ذلك مكتبي المخصص لنشاطاتي كعضو في مجلس الشعب.
حيث وصل مجموع التكاليف الضريبية المفتعلة أو الكيدية والمبالغ فيها كثيراً إلى
112 مليون ليرة سورية. إضافة لتقصدهم عرقلة كل أعمالي التجارية والصناعية لدى
دوائر الدولة. واستمرت تلك المضايقات وأشكال الأذية الأخرى حتى اليوم الأخير من عمر
المجلس. وفي المقابل تكررت في نفس الفترة العروض السخية والمغرية لاستمالتي وضمان
سكوتي من قبل رئيس مجلس الوزراء ووزراء المالية والاقتصاد والصناعة. ويبدو أنه كان
من الصعب عليهم أن يتفهموا أو يستوعبوا رفضي لتلك العروض، فاعتبروا ذلك تمرداً وتحدياً
حرضهم على مزيد من الحقد والانتقام.
الترغيب و الترهيب
للمواطنين كل الحق في
التساؤل عن سبب تهافت المرشحين للفوز بعضوية مجلس الشعب، ودفع المبالغ الطائلة
لتغطية تكاليف حملاتهم الانتخابية التي وصلت في إحدى الحالات بمدينة دمشق عام 2003
إلى مائة مليون ليرة سورية كما صرح أحدهم. مع العلم أن الراتب الشهري الصافي لعضو
مجلس الشعب في عام 2000 كان 7500 ليرة سورية يصل إلى 12500 ليرة سورية شهرياً بعد
إضافة المهمات وكافة التعويضات. علماً أن تكاليف السفر والإقامة في دمشق للأعضاء
القادمين من المحافظات الأخرى خلال انعقاد الجلسات تبلغ أضعاف ذلك المبلغ.
لا شك أن هناك العديد من
الأعضاء الممثلين لأحزاب الجبهة والعديد من الأعضاء المستقلين يجدون في وصولهم إلى
المجلس فرصة لخدمة من يمثلون من فئات الشعب والدفاع عن مصالحهم. وفي المقابل هناك
فئة غير قليلة، تزداد وتتوسع في ظل الفساد المستشري، تجد في عضوية مجلس الشعب فرصة
لتحقيق مكاسب شخصية على الصعيدين المادي والمعنوي، أو توسلاً للحماية التي يمكن أن
توفرها لهم الحصانة البرلمانية.
إذ أنه من المعروف أن
الاحتكارات والاستثناءات والسوق السوداء تشكل قطاعاً كبيراً من مجمل الاقتصاد
السوري، ويتحكم بها أصحاب النفوذ السياسي والأمني، ورئيس وأعضاء الحكومة لصالحهم
وصالح شركائهم ومن يلوذ بهم. ويمكنهم أن يقدموا بعضاً منها لشراء الضمائر وكسب
الموالاة. تبدأ من استثناءات للحصول على بضع أطنان من مادة الإسمنت أو غيرها من
المواد التي تباع بالسوق السوداء، ولا تنتهي باستثناءات أو احنكارات تصل عائداتها
إلى مئات المليارات، كما حصل في صفقة الهاتف الخلوي. و بين هذه وتلك آلاف الحالات
التي يمكن أن تُشترى بها الضمائر و تُكتسب بها الموالاة.
انتخابات أخرى ومجلس آخر
مع انتهاء الربع الأول من
عام 1998 لم أعد أحتمل ضربات الحكومة الموجعة. فقررت الاعتكاف والانسحاب من
المعترك السياسي. وقد كنت أعلم أن مزيداً من المضايقات سوف يمارس ضدي، إذا ما بقيت
الحال على ما هي عليه. مقدراً أنني سوف أدفع ثمناً باهظاً دون جدوى. فعلى الرغم من
كل كفاحي خلال وجودي في المجلس، كانت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، فالتدهور
الاقتصادي يزداد، والفساد ينمو، و يعم الظلم.
في تلك الفترة، وفي هذا الجو،
بدأ يسطع نجم الدكتور بشار الأسد كرائد للإصلاح. وراح الناس يضعون آمالهم في هذا
الشاب الذي عرف عنه حسن الخلق والرغبة بالتحديث وقد عايش النظام الديمقراطي في
بريطانيا أثناء دراسته هناك. وبدأ الشارع يتداول قصص تصديه لكثير من حالات الظلم
والفساد ومبادراته لإعادة الحقوق لبعض المظلومين. وكثيراً ما كان الخيال الشعبي
المتعطش للإصلاح يضخم تلك القصص.
لكن عند حلول موعد انتخابات
مجلس الشعب عام 1998 وبعد أن أجريت مراجعة شاملة لتجربتي أعدت النظر بقرار الاعتكاف
وآثرت خوض الانتخابات غير عابئ بالنتيجة، متسلحاً بالخبرة التي اكتسبتها خلال السنوات
الأربع الماضية، ومستنداً إلى ما حققته من تأييد ومصداقية في المجتمع.
بعد تسجيل ترشيحي وقبوله،
حضرت الاجتماع الذي يقام على مدرج غرفة تجارة دمشق لإعلان بدء الحملة الانتخابية
من قبل أمين فرع حزب البعث والمحافظ. وقدمت عند فتح باب الحوار، مداخلة تعبر دون
مواربة عن الوضع المأساوي الذي نعيشه وضرورة جعل الدور التشريعي القادم بداية
لمرحلة جديدة من الإصلاح والانتقال إلى عهد نواجه فيه الحقيقة ونعيد بناء ما تهدم.
فما كان من أمين فرع حزب البعث إلا أن تصدى لي وهاجمني، واتهمني بالخيانة والسعي
للتطبيع مع إسرائيل!
كان التحدي كبيراً، حرض كل
ما عندي من قوة للاستمرار بتأدية واجبي الوطني والاجتماعي والأخلاقي، وشجعني إضافة
إلى رغبتي في الاستمرار كنائب على الانفتاح والمشاركة في حوارات وتفاعلات أخرى.
وقبيل بدء الحملة الانتخابية،
حضرت لقاءً في المنتدى الحضاري الذي كان يقام في منزل الدكتور عمر أبو زلام، وتنبهت
لضرورة الخروج من الطرق التقليدية والمبتذلة في الحملات الانتخابية واحترام عقول
الناخبين. فطلبت من الدكتور عمر مساعدتي في إقامة جلسات للحوار في مضافتي المخصصة
للحملة الانتخابية. ولم يتوانَ الرجل عن تقديم كل خبرته واستنفار كل علاقاته لإنجاح
جلسات الحوار الوطني تلك، التي تناولتْ عدداً من أهم المواضيع التي تلامس هموم
وآمال وتطلعات الشعب السوري. حيث أقيمتْ بنجاح كبير تسع جلسات للحوار في مضافتي
الواسعة، كانت أهم عناوينها: اقتصادنا وتحديات المستقبل، الصناعة المتطورة صمام
أمان لمستقبلنا، ثروتنا البشرية، الوحدة الوطنية، أهمية الإدارة، شفافية القوانين،
المعاقون، الصحة، البيئة. وهناك كان الحضور يعد بالمئات وانطلقت ألسنة المتداخلين
من عقالها في مداخلات جريئة.
إضافة إلى جلسات الحوار
الوطني، كانت حملتي الانتخابية تتضمن إصدار بيان انتخابي و25 شعاراً هي:
1. تعالوا
نحقق الرفاه في وطن الأمن والأمان
2. الانتماء
للوطن فوق كل انتماء
3. لنجعل
سورية مكاناً محبباً للعمل
4. وحدتنا
الوطنية نعمة فلنحافظ عليها
5. تعالوا
نتعلم كيف نختلف ونصغي للآخر
6. مزيد
من الديمقراطية لمزيد من التقدم
7. الصناعة
المتطورة صمام أمان لمستقبلنا
8. تعالوا
نحرر كل طاقاتنا الكامنة
9. لا
قدسية للتعليم إلا بقدسية المعلم، ولا قدسية للقضاء إلا بإنصاف القاضي
10. لنعطِ
كلاً بقدر ما يستحقه
11. تكافؤ
الفرص حق لكل مواطن
12. من أدى
كل واجباته فليطالب بحقوقه
13. تحديث
القوانين بات ضرورة ملحة
14. لن
يعرف السعادة من سرق سعادة الآخرين
15. ليس
منا من تطاول على مال الشعب
16. البيئة
النظيفة ضمان لحاضرنا ومستقبلنا
17. من أجل
ضمان صحي يحفظ كرامة كل مواطن
18. ضمان
الشيخوخة واجب إنساني وحضاري
19. نحو
ضمان اجتماعي يحمي العاطلين عن العمل
20. تعالوا
نبني وطن النور بعقول المثقفين
21. تعالوا
نبني الوطن الأخضر بسواعد المنتجين
22. تعالوا
نبني وطن المحبة بالإيمان
23. لا
للضريبة العشوائية... نعم للضريبة العادلة
24. مستوى
معيشة الأكثرية مؤشر حكمة القوانين الاقتصادية
25. المعلوماتية
جواز سفرنا للقرن الواحد والعشرين
أما البيان الانتخابي فقد
جاء على الشكل التالي:
البيان
الختامي للمرشح رياض سيف
إنها لمناسبة سعيدة تدعو
للتفاؤل أن نعيش ذكرى التصحيح ممزوجة بالاستحقاق الديمقراطي لاختيار أعضاء مجلس
الشعب للدور السابع، هذا المجلس الذي نريد له أن يكون مختلفاً عما سبقه في استيعاب
نهج التصحيح كي نتمكن من التغلب على ما ينتظرنا من التحديات الجسام.
لابد لنا في هذه المرحلة من
تفعيل حياتنا الديمقراطية بمزيد من حرية التعبير لنطلق العنان لعقول وإبداعات
مواطنينا على اختلاف تياراتهم الفكرية فبتلاقح الأفكار تولد الحقيقة وبالنقد البناء
تستمر مسيرة التصحيح، وإن تفعيل الديمقراطية يجب أن يبدأ من زيادة الوعي لدى كل
مواطن بحرصه على انتخاب من ثبت كفاءته وأمانته من المرشحين.
لقد عقدت العزم على ترشيح
نفسي لنيل ثقتكم وبهذه المناسبة أضع بين أيديكم ملخصاً مكثفاً يوضح الأمور كما
أراها في وضعنا الحالي، وكيف يجب أن تكون لتحقيق هدفنا الأسمى في بناء مجتمع العدل
والقوة والرفاه.
الاقتصاد الوطني:
منذ عام 1990 انتهت مرحلة
الحرب الباردة وسيطر اقتصاد السوق ولم يعد الاكتفاء الذاتي هدفاً وحل محله تشجيع
وتنشيط التبادل التجاري وأصبحت قوة أي اقتصاد تقاس بمدى قدرته على التعايش مع
اقتصاديات العالم في عصر سمي بعصر العولمة تتلاشى فيه الحدود الجمركية وتتقلص
برامج الدعم للمنتجات المحلية. يمتاز بحرية انسياب البضائع والخدمات والأموال.
لقد أدركت أكثرية الدول
النامية ودول ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي ضرورة التأقلم مع المتغيرات ووضعت كل
دولة برنامجها الخاص لإعادة هيكلة اقتصادها فمنها من نجح ومنها من تعثر ولكننا لم
نحزم أمرنا حتى اليوم ومازلنا نشكك بضرورة إعادة هيكلة اقتصادنا الذي مازال يفتقر إلى
نظام مصرفي حقيقي وبيئة مناسبة لنمو الشركات المساهمة الكبيرة وسوق للأسهم
والسندات.
إن فرصتنا في اللحاق بركب
الاقتصاد العالمي لم تعد كبيرة وربما نكون أمام الفرصة الأخيرة التي يجب أن لا
نضيعها كي نتجنب الآثار المدمرة لاقتصاد صغير منعزل عاجز عن فهم لغة عصره. ولذا
يجب علينا بالسرعة الكلية استنفار كل الخبراء والمفكرين ورجالات الاقتصاد لتشكيل
ورشة عمل تشرف على وضع وتنفيذ برنامج متكامل لإعادة هيكلة اقتصادنا بما يحقق
مصالحنا المستقبلية مع الحرص الشديد على أن يكون برنامجاً اقتصادياً اجتماعياً في
آن واحد ويعتمد على شرطين أساسين:
1- تفعيل
ثروتنا البشرية: يبلغ عدد الأسر التي تعيش على راتب الدولة أكثر من مليون ونصف أسرة.
ولا يزيد متوسط دخل هذه الأسر الشهري عن (5000) ل.س. وبمقارنة هذا الدخل مع تكاليف
المعيشة نجد أن هناك خللاً كبيراً بات يشكل حاجزاً مانعاً أمام كل تطور ويؤدي إلى
الإحباط الشديد لدى كل القادرين على العطاء ويخرب بنيتنا الاجتماعية ويخلق الأرض
الخصبة لتفشي الفساد الإداري والرشوة من قبل الذين أفتوا لأنفسهم قبول الرشوة في
البداية كضرورة لتعويض ما انتقص من رواتبهم لينتهي المطاف ببعضهم إلى جمع الثروات
الطائلة بعد أن أصبحوا مدمنين على الرشوة.
وإن حجة عدم مقدرة الحكومة
على توفير الموارد لزيادة الرواتب غير مقنعة لأن ما نخسره من أموال بسبب السلبيات
الناتجة عن الرواتب الهزيلة هو أضعاف ما نتوهم أننا نوفره بانتقاصها. لابد من
زيادة الرواتب في الدولة ومعالجة مشكلة الأجور في القطاع الخاص وذلك لإعادة الأمور
إلى نصابها ضمن خطة واضحة يفهمها ويشارك فيها كل مواطن وتعتمد على:
·
إصدار القوانين اللازمة لإنعاش اقتصادنا
ليكون أقدر على توفير فرص عمل منتج يساهم بزيادة موارد الخزينة.
·
التخلص من تراكمات البطالة المقنعة
وتحويل الفائض من موظفي الدولة إلى الأعمال المنتجة في القطاع الخاص.
·
تحصين المال العام من الهدر والاختلاس
وتحويل المبالغ الضائعة لتكون مصدر دخل للخزينة يساعدها على رفع الرواتب.
·
إيجاد نظام ضريبي عادل يفعل النشاط
الاقتصادي ويضاعف إيرادات الخزينة من الضرائب العادلة.
·
وضع برنامج لرفع الرواتب لتصل إلى نقطة
التوازن مع التكاليف المعيشية خلال خمس سنوات.
·
إعادة المنطق السليم إلى الفرق بين الحد
الأدنى والحد الأعلى للراتب والذي انخفض من سبع أضعاف عام 1962 إلى 2.7 ضعفاً في
وقتنا الحاضر مما سبب الإحباط لدى النخبة المثقفة من أبنائنا وشكل نزيقاً خسرت
نتيجته مؤسسات الدولة الكثير من أصحاب الخبرات العالية.
·
القيام ببرنامج مكثف للتدريب والتأهل
لموظفي الدولة وإدخال المعلوماتية لجميع دوائر الدولة وربط ترفيع الموظفين بما
يكتسبونه من مهارات جديدة وإلغاء سقف الرواتب لأن إمكانيات الإنسان وإبداعه لا سقف
لها.
أما عمال ومستخدمي القطاع
الخاص فإن وضع الكثير منهم ليس أحسن من وضع موظفي الدولة لما يحصلون عليه من أجور
منخفضة حيث أنهم مضطرون لقبول أي راتب يعرض عليهم نتيجة البطالة الكبيرة في صفوفهم
ولابد لنا من أن نوفر لهم فرص عمل ذات مردود أفضل من خلال تنشيط وزيادة التدريب
والتأهيل للوصول إلى ثقافة صناعية وثقافة زراعية وثقافة سياحية وثقافة في كل
مجالات الحياة تمكننا من تفعيل واستثمار تكل مواردنا البشرية.
2- توظيف
ثروتنا المادية: لابد لتطوير أي اقتصاد من العمل على تراكم رأس مال وطني واستثماره
لمصلحة تحفيز الاقتصاد ونموه ويكون ذلك بالادخار الذي يشمل ادخار الأسرة من فائض
دخلها وادخار المؤسسات الاقتصادية من فائض أرباحها وادخار ميزانية الدولة بما تقوم
به من مشاريع استثمارية.
وإذا أمعنا النظر بنهجنا
الاقتصادي الحالي سنجد أننا لا نسير في الاتجاه الصحيح بل في الاتجاه المعاكس.
فالأكثرية الساحقة من الأسر لا تحصل على الحد الأدنى الضروري لمتطلباتها وإذا توفر
لبعضها فائض من المال فهي لا تجد الفرصة المجدية والمأمونة لاستثماره.
أما مؤسساتنا الاقتصادية
فإنها غير مستقرة تعيش في قلق مما يخبئه لها المستقبل من مفاجآت ضريبة كما ترهقها
المصاريف الطفيلية التي لا مبرر لها فتبدد قوتها وتأكل أرباحها وتجعلها عاجزة عن
الادخار وبالتالي عاجزة عن النمو والتوسع. أما الاستثمارات الحكومية والتي تغذى من
الخزينة فلا يخفى على أحد سوء تنفيذها ونسب الهدر والضياع فيها.
لقد أدى قصور الأنظمة
والقوانين إلى فقدان البيئة المناسبة للاستثمار المنتج وأجبر رأس المال الوطني في
أغلب الحالات على الضياع في استثمارات وهمية أو الهجرة خارج البلاد حيث تقدر أموال
السوريين في الخارج بعشرات مليارات الدولارات.
الفوضى الضريبية:
إن ما نعيشه من فوضى
اقتصادية ناتج بالدرجة الأولى عن الفوضى الضريبية فالموظف والعامل يدفع 11% عن
راتبه الهزيل (5000 آلاف) ل.س. بينما نمنح لعدد لا يتجاوز المائة إعفاءات تزيد عن
20 مليار ل.س لشركات تأجير السيارات تحت غطاء قانون الاستثمار.
لقد أصبحت القوانين الضريبية
قاصرة عن استيعاب المتغيرات مما أجبر القطاع الخاص على التقوقع والتستر لإتقاء تلك
القوانين والتي لها صلاحيات الحكم بالإعدام على أية مؤسسة اقتصادية مما حرم
اقتصادنا من الشفافية اللازمة لنموه الطبيعي وإن التحصيل العشوائي كثيراً ما قضى
ويقضي على المطارح الضريبية مما دفع الكثيرين إلى التوقف والهجرة لإقامة منشآتهم
خارج القطر ومنع قدوم الاستثمارات العربية والأجنبية إلى بلدنا. يجب أن تكون من
أولى مهمات مجلس الشعب القادم تحقيق العدالة الضريبية عن طريق إعادة النظر بالكثير
من القوانين لخلق جو من الثقة تتفرغ فيه مؤسساتنا الاقتصادية لعملها فتتطور وتكبر
لتساهم في بناء اقتصاد متين نحن بأمس الحاجة إليه.
صناعتنا الوطنية:
نظراً لعدم توفر الشروط
الضرورية لبناء مشاريع صناعية ضخمة فقد اقتصر نشاط القطاع الخاص الصناعي على
الاستثمار في الصناعات الصغيرة والمتوسطة ذات المردود السريع والتي تعتمد على
تلبية احتياجات سوقنا المحلي. ويقتصر نشاط قسم كبير منها على مجرد التجميع أو
عمليات المزج وإعادة التعبئة. لقد بدأت هذه الصناعات تعاني من كساد خطير لكونها
تتنافس ضمن سوق فقير وضيق وتقف عاجزة عن المنافسة في الأسواق العالمية. كما أن
قسماً كبير منها مهدد بالانقراض عند فتح حدودنا الجمركية أمام البضائع العربية
والأجنبية تطبيقاً للاتفاقيات التي وقعناها مع لبنان الشقيق ودول مجموعة التبادل
الحر العربية وما ننوي توقيعه مع دول الاتحاد الأوروبي مضافاً إلى كل ذلك انعكاسات
تطبيق اتفاقية التجارة العالمية سواء دخلنا في الاتفاقية أم لم ندخل.
إن ترك صناعتنا الوطنية
الضعيفة تصارع قدرها دون أن نقدم لها ما تحتاجه من عون ورعاية سوف يتسبب باختناقات
اقتصادية واجتماعية فنتحول إلى مجتمع استهلاكي فقير عاجز عن تأمين ما يحتاجه من
فرص العمل.
القطاع العام:
إن قطاعنا العام الصناعي
الذي كان ركيزة لصناعتنا في العقود السابقة وأدى دوراً اقتصادياً واجتماعياً
متميزاً أصبح اليوم يواجه تحديات خطيرة نتيجة عدم إعطائه هامشاً للتفاعل مع
المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية وبتنا نطالبه بالصمود دون أن نوفر له الحد
الأدنى اللازم لذلك. فنظام الرواتب والأجور جعله يخسر الكثير من النخبة الفنية
والإدارية وما يقيده من أنظمة وقوانين يفقده المرونة الضرورية للعمل كقطاع يخضع
لمبدأ العرض والطلب. وإن الحل لن يكون بالخصخصة ولكن بإزالة العقبات عن طريق إعادة
التوازن للرواتب وإعطاء المدراء صلاحيات تتناسب مع مسؤولياتهم حيث لا مسؤولية دون
صلاحية.
أيها الأخوة:
إن شعبنا فتي وعدد الوافدين
الجدد على سوق العمالة يتجاوز المئتي ألف سنوياً بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من
العاطلين عن العمل اليوم ومن يتوجب علينا تحويلهم من البطالة المقنعة إلى العمل
المنتج كل هؤلاء بحاجة إلى عمل شريف يؤمن معيشتهم ويضمن كرامتهم، مما يعني أننا
بحاجة إلى أكثر من 1.5 مليون فرصة عمل جديدة خلال السنوات الخمس القادمة. لابد أن
نأخذ ذلك على محمل الجد ونسعى بكل ما أوتينا من قوى لبناء صناعة وطنية متطورة
وتحقيق نمو اقتصادي اجتماعي يعم خيره على الجميع.
إصلاح التعليم:
يشكل التعليم مؤشراً حاسماً
على سلامة بنية المجتمع فمستقبل الأمة مرهون بما توفره لأبنائها من تعليم سليم
قائم على التطوير المستمر في المناهج والاختيار الدقيق للمعلم وتأهيله كي يحتل
مكانته كمرب للأجيال. وإن الوضع المعاشي غير اللائق الذي يعيش به المعلمون وينعكس
على عطائهم لدرجة أن استمرار هذا الوضع بات يهدد مستوى التعليم عندنا في كافة مستوياته.
قدسية القضاء:
أما نزاهة القضاء وقدسيته
فلا مجال للتساهل فيها أبداً لأن كل مواطن شريف بحاجة إلى الاطمئنان والحماية من
تعديات الآخرين من خلال القوانين العادلة التي تطبق على الجميع سواء بسواء ويجب أن
نحذر كل الحذر من استفحال ما تسرب إلى قضاءنا من تجاوزات وإن الطريق إلى ذلك يكون
بانتقاء القضاة الأكفياء النزيهين وإعطائهم الحصانة الضرورية وتوفير العيش الكريم
لهم في حاضرهم ومستقبلهم بما يتناسب مع الأمانة الملقاة على عاتقهم.
البيئة:
إن تربة الوطن ومياهه
وغاباته وهواءه ليس ملكاً لجيل أو فئة من المواطنين وإنما هي هبة من الله حافظ
عليها أجدادنا وآبائنا ومن الأمانة أن نحافظ عليها ونتمتع بخيراتها ونسلمها مصانة
نظيفة لأبنائنا وأحفادنا من بعدنا. وما نقوم به من استنزاف لمياهنا الجوفية وتلويث
قسم كبير منها وتمليح مساحات شاسعة من أراضينا الزراعية وتلويث أنهارنا وشواطئنا
وأجواء مدننا يعتبر جريمة بحق أنفسنا وحق الأجيال القادمة ولابد من وضع حد لكل ذلك
بإصدار وتطبيق مجموعة قوانين بيئية واضحة وصارمة ونشر الثقافة البيئية بين
المواطنين.
فتعالوا نبني الوطن الأخضر
بسواعد المنتجين.
تعالوا نبني وطن النور بعقول
المثقفين.
تعالوا نبني وطن المحبة
بالإيمان.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
رياض سيف
سلمت ثلاث نسخ من بياني
الانتخابي والشعارات الخمسة والعشرين المذكورة، كما ينص عليه قانون الانتخاب، إلى
رئيس الدائرة القانونية بالمحافظة ظهر يوم الخميس. وبعد قراءته المتأنية للبيان واستعراضه
للشعارات، طلب مني التريث في نشر البيان وتوزيع الشعارات في أنحاء المدينة ريثما
أحصل على موافقة خطية. وعندما طلبت منه إعلامي بالنص القانوني الذي يوجب ذلك، أجاب
أنه ليس بقانون وإنما هو عرف نتعامل به دائماً!
فانطلقت على الفور، وباشرت
بتوزيع البيان الانتخابي بكثافة، وأنجزت تعليق 1100 لافته في غضون ليلة الخميس
ويوم الجمعة. وفي صباح السبت استدعاني محافظ مدينة دمشق ليبلغني بأن ما فعلته أمر
خطير ولا يمكن السكوت عنه، ولا بد من التصرف حياله. ورأيت على طاولته نسخة من
البيان الانتخابي الذي وزعته مليئة بالتظليلات، ودار بيننا سجال حاد حول طلبه بشطب
أو استبدال العبارات المظللة، فأعلمته أن التغيير لم يعد ممكناً بسبب توزيع أعداد
كبيرة من البيان، فوقف عاجزاً عن تقديم أي اقنراح آخر ريثما يستشير السلطات الأعلى.
أما بالنسبة للشعارات التي
اعتمدتها كعناوين رئيسة لحملتي الانتخابية، فقد طالبني بإزالة معظمها من الشوارع، وخاصة
شعار "الانتماء للوطن فوق كل انتماء". وبعد جدال دام ساعات لم نتفق على
طريقة لمعالجة هذه المشكلة أيضاً.
ورغبة مني في أن تصل القضية إلى
المراجع العليا في السلطة، أعددت على عجل بعض النسخ من برنامج حملتي الانتخابية
دون أي تبديل أو تعديل، وسلمتها إلى مكتب الدكتور بشار الأسد في جبل قاسيون حوالي
الساعة الثانية عشرة ظهراً. وفي الساعة السابعة من مساء نفس اليوم، أبلغني مدير
مكتب الأمين القطري المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي الدكتور سليمان قداح، بأن
لي كامل الحرية في متابعة حملتي الانتخابية كما أريد ولن يتعرض لي أحد.
لقد وفر لي ذلك غطاءً للقيام
بحملة انتخابية ناجحة، خلافاً لما جرت عليه العادة في انتخابات مجلس الشعب. ولكن
قيادات الحزب الحاكم واتحاد العمال وبعض الوزراء قاموا بحملة مركزة ضدي - كل في
مجاله - بغية محاصرتي وإفشالي. منها إقدام وزير المالية قبل أسبوع من الانتخابات على
إقامة الحراسة المالية على شركة أديداس (التي كنت أحد مالكيها وأتولى إدارتها)، حيث
أرسل إلى الشركة اثنين من موظفي وزارة المالية مع عدد من عناصر الشرطة، يقيمون
فيها خلال ساعات العمل لمصادرة وارداتها النقدية. ومنها ما نشرته صحيفة تشرين قبل
48 ساعة من موعد الانتخابات وبأحرف كبيرة عن بيع مكتبي المخصص لنشاطات مجلس الشعب
في المزاد العلني بحجة تحصيل ضرائب غير مسددة.
أعلمتني مصادر موثوقة، أن
الجهة المسؤولة عن إدارة الانتخابات في مدينة دمشق كانت واثقة من نجاحها في
محاصرتي، وقدرت بأن عدد الأصوات التي سأحصل عليها، لن يتعدى الثمانية آلاف في أحسن
الأحوال. لكن فأجأتهم النتيجة بحصولي على 184500 مئة وأربعة وثمانون ألفاً
وخمسمائة صوتاً.
ولكي أوثق ما لاحظته من تلاعب
في عملية فرز الأصوات، طالبت بإعادة فرز الأصوات في صندوق تم اختياره بشكل عشوائي،
وأظهرت عملية إعادة العد، أن عدد الأصوات التي انتخبتني كانت 320 صوتاً وليس 240 صوتاً
كما كانت نتيجتهم المعلنة في الفرز الأول. في ذات الوقت، تبين أن عدد الأصوات المسجلة
لأحد المرشحين الآخرين تزيد سبعين صوتاً عن العدد الفعلي الذي ناله. وهذا مثبت
بمحضر رسمي في محافظة مدينة دمشق. وإذا علمنا أن عدد الصناديق في المحافظة يبلغ
1001 صندوقاً، ندرك عدد الأصوات التي يمكن أن تغفل لمرشحين تناوئهم السلطة أثناء العد
أو التسجيل الذي يحتكره عادة موظفون من أعضاء حزب البعث الحاكم. كما يمكن إدراك
حجم التزوير بزيادة أصوات لمرشحين آخرين، تريدهم السلطة أن يكونوا في برلمانها
الجديد.
لقد شكل نجاحي صدمة لكل من
وقف في طريقي من المسئولين، فعمق حقدهم علي وزاد من شراستهم في محاربتي. فتصاعدت المضايقات
والأعمال الكيدية لعملي الصناعي، وصارت سافرة ومكشوفة أكثر فأكثر، مما كبدني وكبد
الشركة أضراراً بالغة جعلت مني عبئاً ثقيلاً على سير عمل الشركة، وهذا ما دفعني
لبيع ما بقي من حصتي، والتخلي عن ملكيتي وإدارتي لها. فودعت الشركة التي أسستها
وسهرت على رعايتها ونجاحها، كما تودع الأم طفلها وإلى الأبد.
انطلاقة جديدة
منذ تلك اللحظة تفرغت للعمل
في مجلس الشعب، وأصبحت أكثر إصراراً وجرأة في الدفاع عما أؤمن به من أهداف، غير
عابىء بكل الصعوبات التي يمكن أن تقف في طريقي. فقد وضحت عندي الرؤية، وأيقنت أن
الإصلاح السياسي هو مفتاح الحل وبداية كل إصلاح مأمول. وظهر ذلك جلياً في أول
مداخلة قدمتها في الدور السابع في 11/01/1999 والتي قلت فيها مخاطباً الرئيس حافظ
الأسد:
"نبايعك على إطلاق
العنان لكل طاقات شعبنا الإنتاجية والإبداعية والاستثمار الأمثل لكل مواردنا
وثرواتنا المادية لتحقيق العزة والمنعة والرفاه لكل أبناء شعبك الذي أحبك كما
أحببته من خلال تطبيق وترسيخ تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع وصون الحريات ومحاربة
الفساد و وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
نبايعك من أجل مجتمع يسود
فيه القانون وتتحدد فيه الحقوق والواجبات ويترسخ فيه الانتماء للوطن وتذوب فيه
الأنانيات".
وعلى هذه الطريق قدمت بدعوة
من المركز الثقافي الألماني بدمشق بتاريخ 18/04/1999 محاضرة بعنوان "تطور
القطاع الخاص في سورية وتحديات المستقبل"، جوهرها الثقة بأن تنشيط الصناعة هو
القاطرة التي يمكن أن تقود الاقتصاد السوري، أعقبها حوار جاد وغني استمر لساعات. أثارت
المحاضرة غضب القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، واعتبرتها عملاً
معادياً للنظام، خاصة وأنها ألقيت في مركز ثقافي أجنبي، مما دفعها إلى إلغاء محاضرتي
الأخرى بعنوان "التصدير بين الحلم والواقع"، وكانت مقررة في برنامج ندوة
الثلاثاء الاقتصادي في المركز الثقافي بالمزة، (وهي ندوة رسمية تقيمها جمعية
العلوم الاقتصادية، يحضرها عادة عدد كبير من الرسميين والمختصين والأكاديميين).
إلا أنه وفي الوقت الذي تبلغت فيه إلغاء المحاضرة، تلقيت هاتفاً من أحد القادة
الأمنيين الكبار في البلد أبلغني فيه إعجاب الدكتور بشار الأسد الشديد بالمحاضرة
وطالبني بتوضيحات حول بعض النقاط التي وردت فيها. وفي يوم 06/05/1999 قدمت تلك التوضيحات،
مع قرار القيادة القطرية بإلغاء محاضرتي في ندوة الثلاثاء الاقتصادي. وفي صباح
اليوم التالي تغير الموقف، حيث تلقيت تأكيدات من القيادة القطرية ومن وزارة
الثقافة والمركز الثقافي في المزة بأن محاضرتي "التصدير بين الحلم
والواقع" لا تزال على برنامج نشاطات المركز، وستقام في وقتها المحدد مع
الترحيب الشديد.
وقدمت ارتجالاً وعلى مدى
ساعة صورة عن واقع التصدير والعقبات التي تعترضه وطرق معالجتها. عقب عليها الأستاذ
حسين القاضي وزير الصناعة السابق، وأيضاً أثنى عليها الدكتور كمال شرف (رئيس
الجلسة وزير سابق ورئيس جمعية العلوم الاقتصادية). لكن الحكومة لم تعرها أي إهتمام
ولقيت دراستي الإهمال وعدم الاكتراث كغيرها من المحاضرات والمساهمات القيمة التي
كانت تقدم في ندوة الثلاثاء.
بعد فترة وجيزة من إلقاء
هاتين المحاضرتين، طلب مني باسم الدكتور بشار الأسد توضيح ما ورد على لساني: "من
أن الطريقة التي نتعامل فيها مع زراعة وتصنيع القطن تخريبية وتكبدنا أضراراً مادية
وبيئية، حتى تحولت من ثروة وطنية إلى عدو لدود للشعب السوري". فأجبت: إنني
قلت ذلك وأنا مقتنع به ووعدت بدراسة تفصيلية وبالأرقام تبين صحة هذا الرأي. وبالفعل
بعد أيام، قدمت الدراسة التي تضمنت المعلومات التالية:
عام 1997 بلغت المساحات
المزروعة بالقطن 275 ألف هكتار أنتجت مليون طن من القطن المحبوب، استهلك 3,950
مليار متر مكعب من المياه، تم استجرار معظمها من المياه الجوفية عن طريق الآبار
التي وصل عمقها حتى 250 متراً. أي أن كل كغ من القطن المحلوج (بعد إزالة البذور)
استهلك في ذلك العام 12 متراً مكعباً من المياه أي 12 ألف لتر. ومن المعلوم أن
المورد الجوفي المتجدد القابل للاستثمار في سورية يقدر بـ 2,3 - 3 مليار متر مكعب
بينما وصل الاستجرار الفعلي عام 1996 إلى 7,9 مليار متر مكعب، أي أنه تم استنزاف 4,3
مليار متر مكعب في عام واحد، مما تسبب في انخفاض تدفق الينابيع والذي أدى إلى جفاف
منابع الخابور في صيف عام 1996.
تبين الدراسة أن قيمة محصول
القطن في ذلك العام بلغت 606 مليون دولار بينما كانت التكلفة 490 مليون دولار في
الحقل، وإذا أضفنا إليها تكاليف النقل والحلج والتامين وفوائد التمويل، نكون أمام تكاليف
تزيد عن قيمة مبيع المحصول بالأسعار العالمية، ناهيكم عما تخسره الخزينة من دعم
المازوت المستخدم لضخ المياه من الأعماق، وأيضاً الكوارث البيئية المتمثلة في تملح
التربة جراء الزراعة المتكررة للقطن، والتي أصابت أكثر من 200 ألف هكتار من أراضي
الجزيرة فقط، وأدت إلى خروج 250 ألف هكتار كلياً من الاستثمار الزراعي.
كان بالامكان تفادي كل تلك
الأضرار البيئية وتحقيق أرباح طائلة من زراعة القطن باستخدام الري بالتنقيط الذي
يوفر 60% من المياه ويزيد مردود الهكتار. حيث تبين الدراسات أن كلفة إنتاج كغ واحد
من القطن بالطريقة التقليدية 28,6 ل.س تنخفض إلى 17,4 ل.س بطريقة الري بالتنقيط.
بيان حكومة مصطفى ميرو
في مداخلتي حول بيان الحكومة
الجديدة، طرحت بشكل موارب ضرورات القيام بإصلاح سياسي، وأشرت إلى: "إن
الحكومات السورية هي من أسعد الحكومات في العالم حيث لا أحزاب معارضة تؤرقها، ولا اضرابات
عمالية تحرجها، ولا سلطة قضائية تحاسبها، ولا سلطة تشريعية تراقبها، ولا سلطة
إعلامية تفضح أخطاءها. وإن هذا المناخ الذي يتوفر للحكومة لا بد أن يسبب الاسترخاء
والكسل واللامبالاة. كما يشكل بالضرورة أرضاً خصبة لنمو الفساد... وإنني أطالب
بإعادة الأمور إلى نصابها من خلال فصل السلطات لنعيد للسلطة التشريعية دورها
الفاعل وللسلطة القضائية استقلاليتها وللإعلام حياديته". وكانت هذه آخر مداخلة
لي في عهد الرئيس حافظ الأسد.
المخاض
قبل فترة وجيزة من وفاة
الرئيس حاقظ الأسد، دعيت إلى لقاء في بيت المخرج نبيل المالح مع مجموعة من
المثقفين، ودار الحديث حول أفضل صيغة للمساهمة في عملية إصلاح سياسي كان الجميع
مقتنعين بأنها باتت ضرورة ملحة للتغلب على ما يعانيه المجتمع السوري من أزمات
نتيجة غياب السياسة عن الشارع السوري. وفي بداية حزيران انتقلت الاجتماعات إلى
مكتبي المخصص لشؤون مجلس الشعب. وكانت تعقد بشكل دوري كل يوم أحد.
أفضت هذه الاجتماعات إلى
الاتفاق على أن يكون مدخل الإصلاح السياسي عن طريق تعزيز ثقافة المجتمع المدني، والبدء
بتأسيس منظمة يطلق عليها اسم "جمعية أصدقاء المجتمع المدني"، حيث جاء في
بيان التأسيس: "إن المجتمع المدني كما نراه هو مجموع التنظيمات المجتمعية غير
الحكومية من جمعيات ونقابات وهيئات ومنظمات وأحزاب ووسائل إعلام حرة ومتعددة ونواد
ومؤسسات جوهره الخيار الديمقراطي، ولا يمكن للديمقراطية أن تتجسد إلا عبر نهوض
المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته، وخلق حالة حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل
مصلحة الوطن. كما إن تفعيل مؤسسات المجتمع المدني يعتبر السبيل الوحيد لبناء دولة للجميع
وتحقيق حراك اجتماعي فاعل وصولا إلى الدعوة إلى تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني
في سورية علناً نقدم جهداً يسهم في بناء مجتمع ديمقراطي متطور".
كانت الاجتماعات علنية
ومفتوحة مما يجعلها مكشوفة للأجهزة الأمنية. وفي اجتماع الأحد ما قبل الأخير تم
الاتفاق على تقديم طلب تسجيل الجمعية بعد إنجاز الصياغة النهائية لبيان التأسيس في
الأسبوع التالي. وقبل موعد الاجتماع بأربعة أيام تلقيت دعوة للقاء نائب رئيس
الجمهورية عبد الحليم خدام في منزله. دام اللقاء أكثر من ثلاث ساعات. وعلى الرغم
من كون لقاءاتي السابقة بالسيد خدام كانت قليلة، وتتم بشكل رسمي في مكتبه لمعالجة
قضايا عامة، إلا أن هذا اللقاء كان مختلفاً جداً، وفاجأني بإبداء إعجابه الشديد بي
وبالنجاحات التي حققتها في عملي، وخاصة من النواحي الإنسانية والأخلاقية. ثم أبلغني
عن لقاء كان له مع رئيس الجمهورية في صباح ذلك اليوم، دار فيه الحديث عما لقيته من
معاملة كيدية ظالمة من قبل محمود الزعبي وحكومته، وأنه – أي خدام – قال: "لو
أن الرئيس حافظ الأسد علم بذلك في حياته لقطع أيديهم على ما فعلوا". ثم نقل
لي رغبة رئيس الجمهورية بأن استعيد أمجادي الصناعية وأعود أكثر من عشرة أضعاف مما
كنت عليه. كما أبلغني طلب رئيس الجمهورية كتابة تقرير مفصل يبين حجم الخسائر التي
تكبدتها نتيجة تلك المعاملة الكيدية، وتسليمه للرئيس عن طريق السيد خدام.
تمت الموافقة على الصياغة
النهائية لبيان الجمعية، في الاجتماع الأخير مع زملائي وتم تكليفي بإعلام كل من
نائب رئيس الجمهورية واللواء بهجت سليمان، وطلب المساعدة منهما للحصول على ترخيص
الجمعية. وعلى هذا التقيت في صباح اليوم التالي اللواء بهجت سليمان في مكتبه بحضور
الدكتور الياس نجمة سفيرنا في فرنسا وزميلي السابق في مجلس الشعب. وفي حوار دام أكثر
من ساعتين علمت فيه أن اللواء بهجت كان على علم كامل بكل ما كان يدور في
اجتماعاتنا وأنه كان يتوقع زيارتي. وتركز حديثه وحديث الدكتور نجمه على محاولة
إقناعي بأن غالبية ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني ما هي إلا وسيلة وغطاء لأنشطة
المنظمات الماسونية العالمية وأندية الروتاري، التي يتحكم بها اليهود بقصد السيطرة
على العالم. وأعلن رفضه القاطع لقيام مثل هذه الجمعية. وفي مساء ذلك اليوم التقيت
السيد عبد الحليم خدام في منزله، وكان يتوقع أن أقدم له التقرير بالخسائر الذي
طلبه رئيس الجمهورية. وتفاجأ عندما قدمت له طلب تسجيل الجمعية، فامتقع لونه وقال: "هذه
ليست جمعية، هذا بلاغ رقم واحد لانقلاب تخططون له تحت يافطة المجتمع المدني وهو
أمر لا يمكن أن يتم". وتابع قائلاً: "لماذا لا تدخلون من الباب وتنتظرون
بعض الوقت ريثما يصدر قانون جديد للأحزاب، فتؤسسوا حزباً سياسياً يمكنه دخول
الجبهة أو ممارسة نشاطه كمعارضة بشكل نظامي". على هذا انتهى اجتماعي بالسيد
خدام ولقاءاتي به. وعند خروجي قلت له: إنني سأوافيك خلال أسبوع بالتقرير الذي طلبه
رئيس الجمهورية، فقال بفتور إنه يفضل أن أقدمه إلى مدير مكتب رئيس الجمهورية، وهو
ما حصل بعد اسبوع فسلمت تقريراً من 16 صفحة، يحتوي كل الوثائق الضرورية وحجم
الأضرار التي تكبدتها، والتي وصلت إلى 350 مليون ل.س. ولم أتلق حتى اليوم أي جواب
أو رد!
منتدى الحوار الوطني
في اجتماع الأحد أطلعت
زملائي على نتيجة مقابلاتي، وبعد حوار مستفيض، رأى البعض ضرورة أن تتابع الجمعية نشاطاتها
دون ترخيص، بينما ارتأيت مع عدد من الزملاء وأمام شعوري بانسداد الأفق لدور لي
مؤثر في مجلس الشعب، افتتاح منتدى للحوار الوطني في منزلي، تقام فيه جلسات حوار أسبوعية
تبدأ بطرح موضوعات خاصة بثقافة المجتمع المدني، مستفيدين من تمتعي بالحصانة
البرلمانية التي يمكن أن تساعد في إنجاح المشروع وتخطي الممانعة الأمنية.
وعلى الفور، أعلنت عن تأسيس
"منتدى الحوار الوطني". الذي افتتح نشاطه في 13 أيلول/سبتمبر 2000
بمحاضرةٍ عن المجتمع المدني لشيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي. حظي افتتاح
المنتدى والمحاضرة الأولى اهتماماً سياسيا ًواجتماعياً وإعلامياً كبيراً لعدة
اعتبارات منها: استباق السلطات السورية افتتاح المنتدى بإرسال رسائل
"تحذيرية" عبر صحيفة "المحرر نيوز" اللبنانية، التي اتهمت "دعاة
المجتمع المدني في سورية باقتباس تجربة أوروبا الشرقية في الإطاحة بأنظمتها
الحاكمة". وتساءل "مصدر وثيق الصلة بالنظام" على حد وصف الصحيفة عن
"الهدف الحقيقي الكامن وراء نيّة تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني"، إذ
يسعى أصحابها على حد قوله إلى "إقامة منتديات ثقافية وسياسية غير معلنة، ومن
المرجح أن تكون أندية الروتاري الماسونية بينها". وبنفس الوقت كان أنطون
مقدسي نفسه قد وجّه رسالة إلى الرئيس بشار الأسد عبر صحيفة "الحياة"
بتاريخ 14 آب/ أغسطس 2000، تُعتبر الأولى لجهة مخاطبة رئيس الجمهورية عبر وسائل
الإعلام، إذ قال فيها بكل عفويةٍ وصراحةٍ وجرأة "الوضع العام، وباختصار يا
سيدي: انهيار عام، سياسي واقتصادي وأيضاً ثقافي وإنساني".
كان المشهد أشبه ببرلمان
حقيقي أو بتجمعٍ لمختلف الأراء والأفكار والمواقف لم تعرفه سورية منذ عقودٍ، واقترنت
الدعوة لافتتاح "منتدى الحوار الوطني" بمقولة الرئيس بشار الأسد في خطاب
القسم: "لا يُبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو
مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد". وتحت هذه العبارة
كانت الدعوة صريحةً للجميع كي يُسهم في "الحوار السلمي والعلني والصريح"
الذي يسعى إلى "الاقتراب ما أمكن من الحقيقة، التي ستنير لنا الطريق في
مسيرتنا لبناء وطن القوة والمنعة والرفاه".
واستمرت جلسات المنتدى على
مدى أربعة أسابيع تحدث جميع المحاضرين فيها ضمن محور "إحياء المجتمع
المدني" الأمر الذي خلق جدلاً في الأوساط السياسية والثقافية السورية. وفي هذا
المحور، الذي استمر لأربع جلسات، حاضر كل من الدكتور أحمد برقاوي أستاذ الفلسفة في
جامعة دمشق، والأستاذ الكاتب والباحث جمال باروت، والدكتور محمد سعيد الحلبي.
استمر"منتدى الحوار
الوطني" في نشاطه وفاعليته، وطرح محوراً آخر تحت عنوان "كيف نبني
اقتصاداً وطنياً؟" شارك فيه كل من نبيل مرزوق وعارف دليلة ورياض الأبرش ورياض
سيف. وقد عكس تعدد وتنوع الهويات الفكرية للمحاضرين طبيعة المنتدى الوطنية الواسعة
والمفتوحة على كافة المشاركات. ولعل احد الانجازات الهامة التي حققها المنتدى هو
إتاحة الفرصة للأحزاب الكردية بتقديم قضيتهم كقضية وطنية تهم جميع الأطياف
السياسية في سورية وخاصة الملح منها والمتعلقة بتجريد قسم منهم من الجنسية و إقامة
الحزام العربي. كما لوحظ حضور مكثّف لشريحة الشباب وقد شجّعت ظلال المنتدى والآثار
الإيجابية التي تركها كتجربة وليدة الآخرين على اقتباسها واستنساخها، فبدأت
المنتديات تتكاثر كالعشب في الربيع، وكان أبرز هذه المنتديات، المنتدى الثقافي
لحقوق الإنسان في صحنايا بمنزل المحامي خليل معتوق، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار
الديمقراطي في منزل المرحوم جمال الأتاسي. وانتشرت المنتديات أيضاً في المحافظات
السورية الأخرى بدءاً من حلب وحمص واللاذقية وطرطوس وانتهاءً بالقامشلي والحسكة
ودير الزور.
ربيع دمشق
لقد أصبح المنتدى كما وصفته
مجلة (النيوزويك) الأمريكية "بداية حركة التغيير القادمة في سورية حتماً".
ومع صدور بيان الألف في بداية عام 2001 والذي أعاد التأكيد على المطالب السياسية
المعروفة كرفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وفسح
المجال لحرية الرأي والتعبير وغيرها، أصبحت عجلة التغيير في سورية أشبه بكرة الثلج
مما شجعني على التفكير بتحويل منتدى الحوار الوطني إلى "صيغة" مؤسساتية،
وقد تجلى ذلك في تأسيس لجنةٍ تدير شؤون المنتدى، أُطلِقَ عليها "لجنة منتدى
الحوار الوطني" تألفت من 14 عضواً من مختلف التكوينات والمشارب.
سعت "لجنة منتدى الحوار
الوطني" إلى فتح محورٍ جديد يتناول قضايا سياسية محددة، فطرحت "محور
الحقوق" الذي افتتح بمحاضرة للدكتور شبلي الشامي، وكانت بعنوان (حق القول). وقد
حظيت باهتمام إعلامي متميز، من قبل وكالات الأنباء العالمية، والفضائيات العربية
والأجنبية التي قامت بتغطية مباشرة لها أو من قبل الصحف العربية والأجنبية ما شكل دعماً
للمنتدى، عزز حضوره داخلياً وعربياً وعالمياً، ليغدو أشبه ببوابة لمخاطبة الرأي
العام المحلي والعربي.
تلت محاضرة الشامي محاضرة أخرى
أكثر تخصصاً بالشأن السوري، وقد تركّزت حول "الإصلاح السياسي: معناه
وحدوده" لأستاذ الفلسفة في جامعة دمشق الدكتور يوسف سلامة، مما جعل النقاش في
المنتدى يتركز بشكلٍ عملي على تقديم أفكار وحلول نظرية وعملية للإصلاح السياسي
والاقتصادي، جاعلاً موضوع الإصلاح في سورية قضية ساخنة.
وقد أعطى الإعلان عن تأسيس
"التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة" كحزب سياسي جديد، والإعلان الآخر
عن تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، إشارات خاطئة، وبدا للعيان كأن القيادة
السياسية قررت توسيع هامش الحراك السياسي والحزبي، مما شجعني على طرح ورقة مبادىء أولية
لتأسيس حزبٍ سياسي جديدٍ. وفي جلسة منتدى الحوار الوطني بتاريخ 31 كانون
الثاني/يناير عرضت الورقة تحت اسم "حركة السلم الاجتماعي، مبادىء أولية للحوار"
واستمرت النقاشات الحادة حولها على مدى يومين.
ترافق ذلك مع بدء حضور
"الرفاق البعثيين" لجلسات المنتديات وبتكليفٍ رسميٍ، "لتفنيد ما
يُطرح وإظهار ثغرات الحوار وخلفياته" على حد تعبير عبد الحليم خدام نائب رئيس
الجمهورية. وقد خلق حضورهم لجلسات "منتدى الحوار الوطني" ومشاركتهم في
النقاش صدىً طيباً في البداية، ولاقى ترحيباً من جميع الحضور، على أساس أنه يخلق
حواراً ولو بشكلٍ غير مباشر بين المجتمع والسلطة. بيد أن هذه المناقشات، ومع مرور
الوقت، كانت تخرج عن مسارها الطبيعي والهادئ وغالباً بشكل مفتعل، لتصبح هجوماً على
آراء المحاورين وتجريحاً شخصياً لهم. ثم تمادت لتصبح تشكيكاً في وطنية وغايات
"أصحاب المنتديات" كما صار يُطلق عليهم. وهذا ما عجَّل بالبدء في كبح
نشاط المنتديات وكبتها، إذ وجدت السلطات السورية في انتشارها بداية لمقاومة سلمية
وشعبية واسعة.
كانت المحاضرة الأخيرة في
منتدى الحوار الوطني بعنوان "المأزق السياسي وإشكالية التغيير الديمقراطي في
سورية" للدكتور رضوان زيادة، أول محاضرة تطرح سيناريوهات التحول الديمقراطي
المستقبلية في سورية. وزاد حضور البعثيين من فرع جامعة دمشق النقاش توتراً وسخونة،
وأضاف جرعة من التوتر حضور أحد الصحفيين الأمريكيين الذي طلب الكلام ليثني على هذه
التجربة السورية، وليقول: إن هذه التجربة لا مثيل لها في الولايات المتحدة. لكن – وبعنفٍ
زائد – قاطعه الدكتور فيصل كلثوم متسائلاً فيما إذا كانت هذه المحاضرة تمثل ورقة
وطنية أو أمريكية. وهنا علا صياح البعثيين الآخرين مطالبين بطرد هذا الصحفي
الأمريكي الجريء متهمينه بأبشع النعوت.
نهاية الربيع
في 11/02/2001 تم استدعائي
من قبل رئيس مجلس الشعب للاستفسار عن بعض الجمل والعبارات الواردة في ورقة السلم
الاجتماعي، وطلب مني توضيحاً خطياً بهذا الشأن، قدمته له في اليوم التالي. وبعد
ثلاثة أيام وبتاريخ 14/02/2001 طلب المحامي العام بدمشق من رئيس مجلس الشعب اتخاذ الإجراءات
اللازمة لمنحه الإذن بملاحقتي أصولاً بناء على الأمر العرفي رقم 30 تاريخ 14/02/2001
الصادر عن نائب الحاكم العرفي.
يلاحظ هنا توخي السرعة
والتعجل في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لرفع الحصانة عني قبل يوم واحد من
افتتاح الدورة التشريعية للمجلس. (حيث يحق لرئيس المجلس وحسب المادة 21/ أ رفع
الحصانة في فترة عدم انعقاد دورات المجلس في حال الجرم المشهود). وعلى الرغم من
عدم توفر حالة الجرم المشهود، وعدم الحاجة والضرورة للاستعجال، لان دورة المجلس ستنعقد
حتماً في اليوم التالي، إلا أن رغبة السلطة بعدم إعطاء فرصة لمناقشة طلب رفع
الحصانة خلال الجلسات، جعلها في عجلة من أمرها لإنجاز كل الترتيبات في يوم 14/01/2001،
وهذا ما تم فعلاً. و عندما انعقد المجلس في اليوم التالي وقبيل انتهاء الجلسة، تلا
رئيس المجلس قراره بالموافقة على رفع الحصانة عني، وختم الجلسة دون إفساح المجال لأي
نقاش.
مثلت أمام قاضي التحقيق الأول
بدمشق بالدعوة رقم 971/2001، وقد أبلغني أنه استناداً إلى ما ورد في ورقة حركة
السلم الاجتماعي وجه إلي تهماً بجرم الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير
مشروعة، وإثارة النعرات المذهبية وتشكيل جمعية سرية لأغراض مخالفة للقانون وتولي
منصب رئيسها، وعقد اجتماعات مخالفة للقانون، وقد استند في هذه التهم الأربع على
فقرات وردت في الورقة على النحو التالي:
-
"تهمة الاعتداء الذي يستهدف تغيير
الدستور بطرق غير مشروعة" فهي بسبب اقتراحي التالي: "انتخاب جمعية
تأسيسية تعمل على صياغة دستور جديد للبلاد ينسجم مع الاحتياجات الراهنة والمستقبل
المنظور يطرح على استفتاء شعبي".
-
"إثارة النعرات المذهبية" فقد
استندت إلى الفقرة التالية: "يمتاز الشعب السوري بتعددية عرقية ودينية لكون
سورية مهداً للأديان السماوية والحضارات القديمة. كما أنها كانت على مدى التاريخ حضناً
وملاذاً لمهاجرين لجأوا إليها هاربين من ظلم لحق بهم في بلدانهم، أو طلباً للعيش
الهانىء والرزق الوفير لكثرة خيراتها ورحابة صدر أهلها. فنتج عن ذلك لوحة
فسيفسائية جميلة تنوعت ثقافاتها وأنتجت أجيالاً متآلفة، تمتعت بالإبداع والحيوية
والتنوع الحضاري. وكي يبقى هذا التنوع ميزة إيجابية ومصدراً من مصادر قوة الشعب
السوري، يتوجب علينا الحفاظ على جمال تلك اللوحة من خلال علاقات متوازنة توفر لكل
فئة المناخ الضروري الذي تتألق فيه خصوصياتها وميزاتها التي هي مبعث افتخارها،
فتساهم في إغناء وتطوير الوطن المشترك الذي يشكل الإطار المقدس الذي يحتضن كل
الفئات".
-
"تهمة
تشكيل جمعية سرية" تستند إلى طرح: ورقة "حركة السلم الاجتماعي"
والتي جاء في مقدمتها وبشكل بارز مبادىء أولية للحوار.
-
"تهمة
عقد اجتماعات مخالفة للقانون" فتعود إلى: "لقاءات منتدى الحوار الوطني
التي كانت تقام في منزلي وهي لقاءات مفتوحة للجميع بمن فيهم أعضاء حزب البعث ورجال
الأمن".
رغم تقديم التوضيحات، فقد
بقي الملف مفتوحاً بغية ترهيبي وثنيي عن متابعة نشاطي السياسي سواء في حركة السلم الاجتماعي
أو في جلسات منتدى الحوار الوطني. ومن جانب آخر جرى في اليوم التالي لمحاضرة الدكتور
زيادة، الإعلان عن شروطٍ لتقييد نشاط المنتديات ومن ثم وقفها نهائياً، إذ طُلِبَ
من المسؤولين عن تنظيم هذه المنتديات تقديم اسم المحاضر ونص المحاضرة وأسماء
الحضور إلى غير ذلك من المعلومات قبل 15 يوماً من موعد المحاضرة، ثم الانتظار حتى
الحصول على الموافقة. الأمر الذي عنى حقيقةً وقف نشاط المنتديات عبر توجيهٍ من شعبة
الأمن السياسي. وترافق ذلك مع تعميمٍ من القيادة القومية لحزب البعث الحاكم اتهمت فيه
المثقفين السوريين بأنهم "عملاء ومرتبطون بالخارج"، وقام أعضاء القيادة
القطرية بجولة على المحافظات السورية للتحذير من الأطروحات التي تدعو إلى
"المجتمع المدني"، والتي رأى فيها عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية
دعوة "لجزأرة سورية". وعلى أثر هذه التقييدات توقف نشاط المنتديات، باستثناء
"منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي"، ورغم ذلك تقّدم "منتدى
الحوار الوطني" بطلبٍ للترخيص إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في 03/05/2001،
وجاء رد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سريعاً بعد خمسة أيام فقط من تقديمه بردّ
الطلب ورفض الترخيص بحجة أن ذلك ليس من اختصاص الوزارة و"لا تنطبق عليه
النصوص القانونية المعتمدة" كما جاء في ردِّ الوزارة. كما رفض طلب التظلم
لنفس الأسباب. خلال هذه الفترة شاركت في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية والتي
انتخبتني عضواً في مجلس إدارتها، وانتخبت الأستاذ هيثم المالح رئيساً لها.
قضايا ساخنة
لم تمنعني كل هذه التعقيدات
والصعوبات من طرح قضايا حساسة في مجلس الشعب، كان أهمها:
أولاً - المطالبة بكسر
الاحتكار السياسي:
عرضت بتاريخ 7/11/2000
وبحضور رئيس وأعضاء مجلس الوزراء مداخلة لمست أنها قد أثارت عاصفة في قاعة المجلس.
وبعد أن أوضحت عدداً من الشروط التي يجب توفرها لتحقيق الإصلاح الاقتصادي والإداري،
تابعت قائلاً: "إنه من العبث ومضيعة الوقت، أن نظن أن تحقيق ذلك ممكن بمعزل
عن الإصلاح السياسي، حيث أن كسر الاحتكار السياسي هو شرط لازم لتطبيق مبدأ
الشفافية وتكافؤ الفرص، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وأن يكون القانون
فوق الجميع، وإيجاد الآليات الضرورية للمراقبة والمحاسبة. لأنه من البديهي أن أي
احتكار لابد أن يولد العقم ويوقف التطور والنمو. كما أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن
السياسة، حيث أن الاحتكار السياسي يُنتج بالضرورة الاحتكارات الأخرى الاقتصادية
والثقافية والإعلامية، مما يؤدي في النهاية، إلى عدم قدرة المجتمع ككل على تجديد
نفسه بما يتوافق مع المعطيات المتجددة التي تفرضها المتغيرات الداخلية والخارجية.
إن النمو الطبيعي لأي مجتمع،
لابد له من توفر التوازن الذي يضمن عدم طغيان مصالح أي فئة على حساب الفئات الأخرى.
ولقد أثبتت تجارب كل الدول، على أن تحقيق ذلك التوازن مشروط بوجود مؤسسات المجتمع
المدني، المستقلة عن مؤسسات الدولة والتي تكمل دور تلك المؤسسات وتحرضها على تحسين
أداءها، وتستطيع من خلال الأنظمة والقوانين والحوار السلمي، أن تدافع عن حقوق
المنتسبين إليها". لقد تمت مقاطعتي خلال تقديم المداخلة أكثر من مرة، ولكني
أصريت على قراءتها كاملة.
وخلال مداخلتي علا صراخ عدد
من الأعضاء البعثيين وقاطعوني أكثر من مرة، وصار بعضهم يلوم رئيس المجلس على إتاحة
المجال لي لتقديم آرائي كاملة بينما وجه بعضهم الآخر الشتائم النابية. وساد القاعة
جو من الفوضى عندما انبرى بعض زملائي للدفاع عني، وقدم رئيس مجلس الوزراء مصطفى
ميرو اقتراحاً بشطب كامل المداخلة من محضر الجلسة، وهذه سابقة لم تحصل من قبل! ما اضطر
رئيس المجلس إلى إيقاف الجلسة لمدة 15 دقيقة، ودعا إلى اجتماع حزبي في مكتبه. ثم
عاد ليبلغ المجلس بأنه قرر شخصياً وبحكم صلاحيته بأن يشطب كامل المداخلة وكأنها لم
تكن. لكن كعادتي وزعت في اليوم التالي نسخاً من المداخلة على جميع أعضاء المجلس،
كما أوضحت حقيقة ما جرى في منتدى الحوار.
ثانياً - قضية الخيوط
الصنعية:
بطلب من الحكومة السورية،
قامت وكالة التعاون الدولي اليابانية (الجايكا) بأجراء مسح ميداني للصناعات
النسيجية. استغرقت الدراسة 11 شهراً. وفي تشرين الثاني عام 1997، قدمت الجهة
الدارسة ملخصاً عن التقرير النهائي، يتضمن عدداً من النصائح والمقترحات بهدف زيادة
الصادرات من المنتجات النسيجية التي تستعمل الخيوط الصنعية ومن هذه النصائح:
1- الاستفادة
الكاملة من مزايا البلاد الأساسية، وهي رخص كلفة الإنتاج، وذلك بحياكة النسج
الصناعية المستوردة وتحويلها إلى ألبسة معدة للتصدير بعد إدخال قيم مضافة عالية
وتوفير فرص عمل.
2- الاستفادة
من تصدير الملابس المصنعة من النسج الصناعية المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي
والدول العربية المجاورة.
في منتصف تشرين أول 2000 صدر
قرار عن رئاسة مجلس الوزراء يقضي بمضاعفة الرسوم الجمركية على كل المستوردات من
الخيوط الصنعية، وكانت تلك الرسوم قد تضاعفت قبل ذلك بتاريخ 05/08/1999، أي أنها
بعد الرفع الثاني أصبحت أربعة أضعاف ما كانت عليه. وبحكم خبرتي الطويلة في هذا
المجال وصلاتي الوثيقة بأصحاب منشآت الصناعات النسيجية في القطاع الخاص، فإن
الصورة كانت واضحة لي بأن القرار يشكل جريمة لا تغتفر بحق الصناعة الوطنية، والذي
سيؤدي إلى توقف الكثير من المصانع أو خفض طاقاتها الإنتاجية. مما يستتبع تسريح آلاف
العمال إضافة إلى خسارة الصناعات النسيجية لقسم كبير من أسواقها في الخارج، حيث
يجعل ذلك قدرة بضائعنا على المنافسة في الخارج شبه معدومة.
قبل صدور مضاعفة الرسوم
للمرة الثانية، كنت أبذل كل الجهود الممكنة لتصحيح الخطأ وإعادة الرسوم إلى ما
كانت عليه تلافياً لما لحق بالصناعات النسيجية من أضرار. وبدلا من عودة الحكومة عن
خطئها كما كنت أتوقع، فوجئت بمضاعفة الرسوم للمرة الثانية. فبادرت على الفور بجمع
المعلومات والوثائق في مذكرة قدمتها في 23/10/2000 بعد أن ترددت إشاعات تفيد أن
رئيس الوزراء شريك في شركة لصنع الخيوط هي الأكبر في سورية على الإطلاق تنتج 50
ألف طن في اليوم. حيث تقوم بعمليات تحويلية بسيطة على ما تستورده من مواد أولية،
وهي الأكثر انتفاعاً من هذا القرار. وفي دراسة تفصيلية من 26 صفحة وزعتها في مجلس
الشعب بتاريخ 30/11/2000 تبين بشكل دقيق أن الأرباح الإضافية السنوية التي سوف تجنيها
هذه الشركة من انعكاسات القرار الجديد تحديداً تصل إلى 157 مليون ل.س نتيجة رفع أسعار
منتجاتها فور صدور القرار بنفس نسبة الرسوم الجمركية الإضافية والمماثلة لإنتاجها
من الخيوط. وتقول الشائعات أن رئيس الوزارة قد حصل على 50 مليون ل.س من بعض كبار
مصنعي الخيوط مقابل إصداره لهذا القرار.
لست بصدد تصديق ذلك أو
تكذيبه، وإنما جاءت مداخلتي في المجلس وبالأرقام الدقيقة والمأخوذة من إحصاءات
وزارة الصناعة وغرفة صناعة دمشق لتبين فداحة الضرر الذي سوف يسببه ذلك القرار
المدمر. إذ جاء في سياقها طلب تشكيل لجنة من المجلس تدرس بشكل ميداني هذه المشكلة.
تمت الموافقة على تشكيل لجنة
من سبعة أعضاء، كنت واحداً منهم. أما الباقون فكلهم من البعثيين المقربين من رئيس
المجلس ورئيس مجلس الوزراء. وبعد زيارة ميدانية شكلية قدم لي رئيس اللجنة تقريرها الذي
سيقدم إلى المجلس لأوقعه. كان التقرير مليئاً بالمغالطات ومؤيداً لرئيس مجلس
الوزراء. فسجلت على نسخة التقرير المقدمة لي رفضي الكامل لكل ما جاء فيه، مما جعل
عرضه على المجلس بهذا الشكل متعذراً وموضع إشكال. وبقي في حوزة رئيس المجلس دون أن
يرى النور، ودون أن يعرض على المجلس حتى دخلت السجن في 06/09/2001.
ثالثاً- قضية الخلوي:
بعد خمسة أيام من توقيع
العقود وبتاريخ 17/02/2001 وجه الزميل مأمون الحمصي أسئلة حول عقود الخلوي، وطلب
حضور الحكومة للرد عليها. مما لفت انتباهي لهذه القضية وبدأت على الفور جمع
المعلومات والوثائق المتوفرة. فوقفت على حجم وخطورة تلك الصفقة التي تعتبر من
كبريات عمليات الاحتيال على خزينة الدولة. حضرت الحكومة للرد على الزميل الحمصي في
26/03/2001. وبعد أن قدم وزير المواصلات تقريراً يؤكد نزاهة العقود وقانونيتها
وفوائدها الكبيرة للمصلحة العامة، أعلن رئيس المجلس إقفال باب النقاش وطي الملف. لكن
اضطر رئيس المجلس لعدم اغلاق الملف نتيجة إصراري مع عدد من الأعضاء على ترك باب
المناقشة مفتوحاً، وإثر تقديمي مداخلة شفهية، بينت فيها أن ما يضيع على خزينة
الدولة في هذه الصفقة الاحتكارية يزيد عن 200 مليار ليرة سورية وأنني أملك الوثائق
التي تدعم ذلك.
بعدها زرت مكتب وزير
المواصلات من أجل مساعدتي في الحصول على وثائق الخلوي، فنصحني بالابتعاد عن هذه
القضية لخطورتها، وحذرني من وجود نية بسجني والدكتور عارف دليلة إذا ما أصرينا على
متابعة الحديث عن هذا الموضوع. وهذا ما أكد شكوكي حول الشبهات التي تكتنف تلك الصفقة.
وفي اليوم الأول من عودة المجلس للانعقاد في 15/05/2001 طالبت بتشكيل لجنة للتحقيق
في هذا الموضوع، وأيدني في ذلك أكثرية أعضاء المجلس. ومن أجل حشد مزيد من التأييد
من قبل زملائي في المجلس بادرت إلى إنجاز مذكرة من 6 صفحات تحت عنوان "لماذا
التعتيم على عقود الخلوي" وزعتها على كبار المسؤولين وعلى زملائي في مجلس
الشعب، وطلبت نشرها في جريدة تشرين لكن ذلك لم يتحقق.
جاء رد الحكومة بشكل غير
مباشر في صحيفة الدومري على لسان خبير مع إغفال الاسم بتاريخ 11/06/2001 مليئاً
بالمغالطات. وقد وردت فيه الفقرة التالية: "وكي لا نطيل الرد، يكفي أن نذكر
أن الرقم 201 مليار ل.س الذي يدعي سيف أنه سيفوت على الدولة، هو مطابق تماماً
للمبلغ الذي ستدفعه الشركة كضريبة دخل على الأرباح الحقيقية بمبلغ 350 مليار ل.س
الذي يفترض سيف أن الشركة ستربحه إذ نسي تماماً أن العقد يتضمن أن تدفع الشركة
ضريبة أرباح دخل تصاعدية".
بتاريخ 11/06/2001 حضر رئيس
مجلس الوزراء للرد على سؤالي الخطي، وقدم اقتراحاً بإحالة الموضوع إلى لجان المجلس.
وتم تكليف لجنتي القوانين المالية والخدمات بدراسة الموضوع. وبتاريخ 23/06/2001
اجتمعت اللجنة المشتركة وحضر مدير عام المؤسسة العامة للاتصالات مصطحباً نسخة من
الوثائق المتعلقة بالعقود، تحتوي مئات الصفحات ومعظمها باللغة الإنكليزية، سلمها
لرئيس اللجنة مؤكداً على اعتبارها وثائق سرية يحظر تداولها. وتحت إصرار أعضاء
اللجنة على توزيع نسخ من الوثائق على أعضائها تمت الموافقة على ذلك. وكان هذا قبل
أربعة أيام من انتهاء الدورة التشريعية.
لقد كان حرص رئيس المجلس
ووزير المواصلات على إنجاز تقرير اللجنة قبل العطلة واضحاً، وكان من أهم ما أكده
الوزير هو أن التصديق النهائي للعقود لم يتم بعد. ونجحت اللجنة في تمديد المهلة
الممنوحة لإنجاز عملها إلى الدورة التالية. وحاولت في تلك الفترة وسائل الإعلام
الرسمية تكذيب ما كنت قد قدمته من معلومات وأرقام، وعندما طلبت من نفس وسائل
الإعلام نشر ردي على ما أوردته بهذا الشأن فكان الجواب بالرفض دائماً.
في منتصف آب 2001 أنجزت
دراسة شاملة تحت عنوان "صفقة عقود الخلوي" موجهة لأعضاء مجلس الشعب،
ووزعتها على عناصر الحكومة. وبعد أيام التقيت أحد كبار موظفي شركة 94 (إحدى شركتي
تشغيل الخلوي في سورية) الذي أبلغني أنه قرأ دراستي بعناية شديدة وأكد لي صحة كل
ما ورد فيها.
بتاريخ 14/08/2001 علمت أن
المؤسسة العامة للاتصالات والشركات المشغلة دعت إلى مؤتمر صحفي في فندق الشيراتون
فحضرت دون أن أكون من المدعوين. وكان على رأس الحاضرين تسعة من زملائي في المجلس،
جاؤوا لدحض كل ما قدمته من معلومات حول موضوع الخلوي. وبعد سماع كلمات مدير مؤسسة
الاتصالات ومديري الشركتين، قدمت مداخلة أكدت فيها ثقتي بصحة ودقة ما ورد في
دراستي من معلومات وأرقام، كما أجبت على أسئلة قناة الجزيرة بهذا الخصوص، والتي لم
تبث لأسباب لا أعلمها.
أهم ما جاء في دراستي
التفصيلية يمكن إيجازه على النحو التالي:
إن توقيع عقود الخلوي، منح
لشركات أجنبية امتياز إدارة واستثمار مرفق عام تملكه الدولة يتمثل في استثمار
الترددات. وهذا يتطلب إصدار قانون خاص حسب المادة 71 من الدستور. إلا أن رغبة
المستفيدين من العقود بإبرام الصفقة وسعة نفوذهم مكناهم من الالتفاف حول الدستور، وإتمام
الصفقة بسرية مطلقة، حيث تم بعناية فائقة إخراج مسرحية إبرام العقود بالتعتيم
الكامل.
في البدء كانت الهدية من
شركتين لتركيب شبكات تجريبية تقدم 20 ألف خط مجاناً، وتم إجراء الترتيبات لصالح
الشركتين المتبرعتين دون الحاجة إلى إعلان مناقصة. وبتاريخ 26/04/1999، وافق رئيس
مجلس الوزراء على إدخال التجهيزات المطلوبة إدخالاً مؤقتاً على سبيل الإعارة،
وينتهي مفعول الإدخال بتاريخ 14/02/2001، وكان ذلك بمثابة "مسمار جحا"
الذي مكن الشركتين "المتبرعتين" من احتكار خدمات الهاتف الخلوي عن طريق
إبرام عقود نهائية لمدة 15 عاماً، تم توقيعها قبل يومين فقط من انتهاء الفترة
التجريبية في 14/02/2001، حيث تم بهذا التحايل قطع الطريق أمام كل الشركات التي
يمكن أن تدخل المنافسة.
وبالعودة إلى وضع الشركتين
المتعاقدتين بتاريخ توقيع العقود، نتبين أن الأولى هي شركة دريكس تكنولوجي
المحدودة المسؤولية، وهي مسجلة في الجزر العذراء البريطانية بتاريخ 04/07/2000، أي
قبل أربعة أيام من تاريخ طرح المناقصة، وبرأسمال قدره 50 ألف دولار فقط، مع إغفال
اسم المسؤول والمدير العام.. أما الشركة الثانية فهي أنفيستكوم غلوبال، وهي مسجلة
أيضاً في الجزر العذراء البريطانية وبرأسمال 50 ألف دولار. ومعروف أن الجزر
العذراء البريطانية تسمى بالجنة الضريبية وتستقطب الشركات الوهمية والشركات التي
تتعاطى غسيل الأموال حيث تقتصر التزامات الشركة على دفع رسم سنوي بسيط مقابل تسجيل
عنوان وصندوق بريد. وهذا يبين أن صاحب الشركتين هو شخص واحد يمكن أن نطلق عليه لقب
المستفيد.
وما أثار الريبة أكثر هو الخوف
الذي كان يسيطر على رئيس مجلس الوزراء في تلك الفترة محمود الزعبي من تمرير تلك
الصفقة كما تدل الوثائق، حيث قدم مدير عام المؤسسة مذكرة لرئاسة مجلس الوزراء
بتاريخ 03/02/2000 ترجح اختيار طريقة الـ BOT)) في
التعاقد. وبتاريخ 01/03/2000 عقد اجتماع موسع في رئاسة مجلس الوزراء لم يتوصل إلى
قرار. تلاه تقديم مذكرة من المؤسسة بتاريخ 04/03/2000، كما بادر محمود الزعبي إلى
عقد اجتماع آخر بتاريخ 06/03/2000 برئاسته طلب فيه من المؤسسة ووزارة المواصلات
إعداد مذكرة شاملة جديدة، تتضمن كافة المداولات الوزارية حتى تاريخه، ووضع ملحق
لأهم الشروط التي ستتضمنها مشاريع دفاتر الشروط الفنية والحقوقية ليصار إلى
تدقيقها من قبل وزارتي الاقتصاد والمالية. كما طلب تلخيصاً لكل المذكرات التي
أعدتها المؤسسة. وتقديم دراسة مقارنة تبين ميزات ومساوىء الخيارات الأربع المطروحة
وهي:
-
أن تكون مؤسسة الاتصالات منفذاً ومشغلاً.
-
تلزيم المشروع عن طريق BOT.
-
بيع ترخيص الترددات عن طريق مزاودة
علنية.
-
إدارة قطاع الخلوي من القطاع المشترك
بين المؤسسة والقطاع الخاص.
يلاحظ مما تقدم هيمنة قضية
الخلوي على اهتمامات حكومة الزعبي في الأيام الأخيرة من عمرها. إن الزمن اللازم
لتنفيذ طلبات رئيس مجلس الوزراء يتطلب في الأحوال العادية شهوراً من الدراسة
والتدقيق، لكن معجزة قد حصلت، وأنجزت كل الدراسات المطلوبة خلال ساعات ليقوم رئيس
مجلس الوزراء بدراستها والموافقة عليها في الدقائق الأخيرة قبل إقالته في نفس
اليوم، وعند سؤالي عن هذا اللغز، عاد وزير المواصلات وأكد لي في جلسة 26/03/2001 أن
حكومة الزعبي هي التي وافقت على خيارالـ BOT وهذا
ما عاد وأكده رئيس الوزراء مصطفى ميرو في مناسبة ثانية تهرباً من المسؤولية. وتبين
الوثائق أن مذكرة 07/03/2000 بالإضافة إلى ترجيح اختيار نظام الـBOT) ) أعطت المستفيد هدية ثمينة بتخفيض حصة الخزينة من العائدات من 40%
إلى 30% في السنوات الثلاث الأولى من العقود.
كانت العقود الاحتكارية عند
توقيعها تدر أرباحا ساحقة تقدر بمئات مليارات الليرات السورية على المستفيد. ولكن
الحكومة لم تكتفي بذلك فوفرت للمستفيد أرباحاً إضافية للمستفيد على حساب خزينة
الدولة بالطرق التالية:
بتاريخ 04/03/2001 أي بعد
ثلاثة أسابيع من توقيع العقد، وافقت الحكومة على إعفاء الشركتين من دفع أي رسوم
جمركية على مستورداتها لصالح المشروع واعتبارها إدخالاً مؤقتاً، علماً أن مذكرة
المؤسسة بتاريخ 07/03/2000 قدرت الرسوم الجمركية المتوجب دفعها بخمسة مليارات ل.س.
وبعد شهر من تاريخ توقيع
العقود، أي في 13/03/2001، أصدر مدير عام مؤسسة الاتصالات كتاباً يمنح فيه
الشركتين المتعاقدتين حسومات هائلة في أجور الدارات، يصل مجموعها إلى أكثر من 12
مليار ل.س خلال فترة التعاقد محسوبة على عدد العقود المتعاقد عليه أي مليون
وسبعمائة ألف خط، وعند مضاعفة عدد الخطوط كما يبين الواقع فإن رقم 12 مليار سوف
يتضاعف بنفس النسبة.
تم تحديد عدد الخطوط لكل عقد
بـ 850 ألف مشترك، بينما كانت كل التوقعات تشير إلى أن احتياجات السوق تصل إلى
أضعاف هذا العدد قبل السماح لمشغل ثالث بدخول السوق عام 2008، وفي دراسات الجدوى
الاقتصادية التي قدمتها المؤسسة لتقدير أرباح المتعاقد اعتمدت كأساس 850 ألف خط
لكل عقد، ومن المعلوم اليوم أن عدد الخطوط المشغلة تجاوز ضعف العدد المتعاقد عليه،
وقد تم الهروب من سقف عدد الخطوط المتعاقد علبها بطريقة التحايل التالية:
جاء في المادة 3 من العقد
(يلتزم المتعهد ببناء شبكة اتصالات خلوية وإدارتها وتشغيلها واستثمارها وصيانتها
بسعة إجمالية متدرجة قدرها 850 ألف مشترك وبما يتوافق على الطلب مع الخدمة). وللهروب
من سقف العدد المحدد في العقد أرسلت الشركتان المتعاقدتان كل على حدة مذكرة
للمؤسسة تمت صياغتها بخبث على الشكل التالي: (يفهم ويتبين من مفهوم هذه المادة ومن
أحكام المستندات التي تكون العرض إن موافقة المؤسسة على زيادة الاشتراكات عن السعة
المحددة بناء على اقتراح المشغل بنفس الشروط والأسعار الواردة في العقد، للتأكد من
أن الزيادة المذكورة تنطبق على الطلب الفعلي للخدمة ولا تقل عن ذلك)! وبهذه الجملة
الأخيرة وعدم رفض المؤسسة للمذكرة ضمن المهلة القانونية جعل عدد الخطوط مفتوحاً ومن
المتوقع أن يصل عدد الخطوط إلى أكثر من من ثلاثة أضعاف في نهاية مدة العقد.
الضريبة:
للوقوف على حقيقة ما يجنيه
المستفيد في العقدين من أرباح خيالية نتيجة التخفيضات الضريبية يتبين من حساب
الجدوى الاقتصادية في مذكرة المؤسسة بتاريخ 07/03/2000 أنها قدرت ربح الشركتين قبل
دفع الضريبة بـ 121,815 ملياراً عن مليون وسبعماية ألف خط كحد أعلى، يحول منها 63%
للخزينة كضرائب، ليصبح الربح الصافي للمستفيد 77 مليار ل.س فقط. وإذا أخذنا بعين
الاعتبار عامل تخفيض الضريبة من 63% إلى 18% وزيادة عدد الخطوط لأكثر من ثلاثة أضعاف
العدد المتعاقد عليه، وبإضافة الأرباح الإضافية بكل الطرق الاحتيالية التي تطرقنا إليها
سابقاً، ندرك أهمية هذه الصفقة الإحتكارية التي تدر مئات مليارت الليرات السورية على
المستفيد، وعندها يصبح وضع رياض سيف والدكتور عارف دليلة في السجن أمراً مفهوماً.
واستمرار أساليب التضليل والتعتيم التي مازالت متبعة حتى اليوم تجعل من المستحيل
معرفة الأرباح الحقيقية التي يجنيها المستفيد.
بتاريخ 14/08/2001 قمت بتوزيع
آلاف النسخ من كتيب صغير مؤلف من 96 صفحة تحت عنوان "صفقة عقود الخلوي".
والذي أعتقد أنه كان أحد أهم الأسباب في قرار السلطة إيداعي السجن، رغم كوني عضواً
في مجلس الشعب.
المنتدى مرة أخرى
في تموز/يوليو 2001 أصدرت
لجنة المنتدى بياناً تُعلن فيه عودة نشاط منتدى الحوار الوطني غير عابئة بالتحذيرات
الأمنية، وذلك "مساهمة منها في تفعيل الحياة العامة ونشر ثقافة وتقاليد
الديمقراطية التي تبدأ من قبول كلٍّ منا للآخر، عبر إفساح المجال أمام مختلف فئات
المجتمع للمشاركة في حوار ديمقراطي بناء يهدف إلى البحث عن أفضل الصيغ والوسائل
الكفيلة بتطوير حاضر البلاد ومستقبلها لما فيه خير جميع أبناءها". وأنهت
البيان بدعوتها جميع السوريين "للمشاركة في حوار يعترف فيه كلٌ منا بالآخر
ويحترم أفكاره وطروحاته، طالما أنها تنطلق من الحرص على الصالح العام، وتنظر بعينٍ
ملؤها التفاؤل والثقة في مستقبلٍ أفضل، وبناء وطنٍ يوفر لكل أبنائه السعادة
والاطمئنان في جوٍ محبب للعمل والإبداع، يجعل متعة العطاء بديلاً لكلِّ أنانيةٍ
ضارّة". وعلى الفور أذاعت معظم وكالات الأنباء والإذاعات الأجنبية والعربية
نبأ استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني، الأمر الذي دعا بعضهم للاستعجال بوصف هذا
الاستئناف "عودة جديدة لربيع دمشق".
جرى الاتفاق بين لجنة
المنتدى والمفكر السوري المعروف الدكتور برهان غليون أن يأتي إلى دمشق خصيصاً من
باريس كي يفتتح نشاط المنتدى بمحاضرةٍ عن "مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية –
نحو عقد وطني جديد".
تلقيت هاتفياً دعوة من أحد
رؤساء فروع الأمن السياسي بدمشق وذلك قبل يومين من محاضرة الدكتور برهان غليون.
اعتذرت عن تلبيتها وأبلغته أنني أرفض زيارات الفروع الأمنية احتراماً لعضويتي في
البرلمان كممثل للشعب، وإذا كان لا بد من لقاء ما، فإنني أدعوه في أي وقت يشاء
لزيارتي في بيتي أو مكتبي المخصص لنشاطاتي في مجلس الشعب. واتصل مرة أخرى بعد مرور
ساعات ليخبرني بأننا يمكن أن نلتقي في منتصف المسافة بيننا كحل وسط، وكان ذلك في
مقهى فندق الشام. استمر اللقاء لساعات بهدف إقناعي بإلغاء المحاضرة. وبعد أن أعلنت
رفضي، صارحني بأن هناك نية باعتقالي في حال استمريت على موقفي.
أقيمت المحاضرة في موعدها
وبحضور ما يفوق عن 500 شخص غصَّ بهم منزلي، المقر المعتمد لمنتدى الحوار الوطني.
واستمرَّ النقاش لمدة 5 ساعات متواصلة حيث قدَّم أكثر من 30 شخصاً مداخلاتهم
وتعقيباتهم.
في 06/09/2001 اليوم التالي
للمحاضرة تم توقيفي في سجن عدرا، بناءً على أمر من الحاكم العرفي، وعند دخولي
بوابة السجن كنت مطمئناً راضياً، لقناعتي بأنني أدفع ثمن الحرية. وعادت بي الذاكرة
خمسة شهور إلى الوراء إلى إحالة المحامي العام الأول في دمشق بتاريخ 14/02/2001 يطلب
فيها من رئيس المجلس رفع الحصانة عني، لفت نظري أنها تعتمد على كتاب صادر في نفس
اليوم عن نائب الحاكم العرفي وبمراجعة قانون إعلان حالة الطوارىء توقفت عند
الصلاحيات المطلقة التي يعطيها القانون للحاكم العرفي أو من ينوب عنه وهذه
الصلاحيات المطلقة تتيح حق التوقيف الاحتياطي لأي شخص ووضع قيود على حرية الأشخاص
في الاجتماع وتحري الأشخاص والأماكن ومراقبة جميع وسائل التعبير قبل نشرها وحق
الاستيلاء على أي منقول أو عقار وغيرها من الصلاحيات مما يجعل مصادرة كل حقوق
الإنسان أمراً متاحاً بحكم قانون الطوارىء، أي أن الحاكم العرفي يفعل ما يشاء
عندما يشاء بمن يشاء مما يجعلنا كشعب سوري عبيداً عنده! هذا الحال مفروض على الشعب
السوري منذ 8 آذار عام 1963، وكنت شخصياً أحد ضحايا حالة الطوارىء، وهذا هو الدافع
الحقيقي وراء معارضتي لهذه العبودية، واستعدادي لتقديم كل تضحية ممكنة قي سبيل ذلك.
كان السجن أشبه بفرصة
لمراجعة ما حدث معي وتوصلت إلى حقائق بسيطة لكنها قاطعة وحاسمة عن عمق الأزمة التي
تعانيها البلاد وخصوصاً هشاشة دور مجلس الشعب وارتهانه للمؤسسات التنفيذية
والأمنية، مؤمنأ أن خلاص البلاد مما هي فيه يحتاج إلى ثلاثة أسس:
الأول: اعتماد النظام
الديمقراطي بالمفهوم العالمي الذي أصبح ملكاً للبشرية.
الثاني: بناء هذا النظام على
قاعدة صلبة من مكارم الأخلاق النابعة من ثقافة الشعب السوري.
الثالث: اعتماد العقل كموجه
بعيداً عن عبادة الأصنام، وبعيداً عن الأفكار المسبقة والإيديولوجيات بكل أنواعها.
وعلى هذه الأسس أشهرت من
سجني موافقتي على إعلان دمشق.
بداية جديدة ومتابعة الرحلة
في ليلة 18/01/2006 أبلغني
العميد مدير السجن بقرار إطلاق سراحي، وطلب مني توقيع طلب الاستفادة من ربع المدة
والتي تتضمن عبارة "وقد أصلحت نفسي". فامتنعت عن التوقيع رغم كل
محاولاته وتبريراته بأنها عبارة روتينية ولا يمكن شطبها قانونياً. لكن بقيت مصراً
على الرفض. وفي ساعة متأخرة من الليل، تم استدعاء قائد شرطة دمشق وكان زميلاً أيام
الدراسة فأبلغته أني أفضل البقاء في السجن حتى انقضاء السنوات الخمس على أن أوقع
على هذه الورقة، معللاً أن التوقيع عليها هو اعتراف بأنني كنت على خطأ وأنني كنت
مذنباً. وهو بالتالي اعتراف ضمني بصحة التهم التي سجنت على أساسها. في صباح اليوم
التالي تم شطب تلك العبارة وخرجت من السجن أكثر تصميماً على الكفاح من أجل الحرية.
إعلان دمشق
نجحت السلطة، على مدى أكثر
من ثلاثين عاماً، في تشتيت قوى المعارضة والاستفراد بكل طرف على حدة، وإقامة حاجز،
يمنع اللقاء بين الأحزاب الكردية وبقية أحزاب المعارضة في البلاد، إلى أن استطاعت
مجموعة من المخلصين من مختلف التنظيمات والأحزاب العربية والكردية ولجان إحياء
المجتمع المدني بالإضافة للمنظمة الآشورية الديمقراطية وعدد من الشخصيات الوطنية
المستقلة إنجاز وثيقة "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" التي رأت
النور في 16/10/2005 وكان لي شرف التوقيع عليها كأحد المؤسسين، على الرغم من وجودي
في السجن آنذاك. مؤمناً بما ورد فيها وخاصة جوهرها الذي يعنى بعملية تغيير إنقاذية،
تنقل البلاد من قواعد الاستبداد والدولة الأمنية وأفعال القوة والوصاية إلى قواعد
العمل الديمقراطية التي تقوم على احترام التنوع والتعددية واعتماد الحوار والوسائل
السلمية في ادارة الخلافات وحلها، مع احترام المواطن المتساوي بغض النظر عن فكره
وجنسه ودينه وقوميته.
والحقيقة لقد غدا إعلان دمشق
بعد خروجي من السجن أشبه بضالتي المنشودة للعمل وتوحيد ايقاع العمل الديمقراطي،
وأني أعاهد نفسي والناس أن أقدم كل ما أستطيع من جهد لتحقيق مبادىء الإعلان والتي
اعتبرها أفضل طريق كي ينعم شعبنا أخيراً بالحرية والديمقراطية.