بدأ عام 1998 بإعلان بيع مكتبي بالمزاد العلني بتاريخ 25/01/1998 وبعد ثلاثة أسابيع وبتاريخ 14/02/1998 تبلغت بفرض ضريبة جديدة على معمل داريا عام 1991 بلغت 000.259.10 ل.س ثم في اليوم التالي عرض معمل ابني جواد سيف للبيع بالمزاد العلني.
وفي 28/06/1998 فرضت ضريبة جديدة على معمل حاكمة بمبلغ 000.154.4 ل.س. عن عام 1992 مع العلم بأن المعمل كان قد أغلق بسبب الخسائر وتم الحجز على جميع المالكين وورثتهم حيث كان قد توفى أربعة من الشركاء الأصليين.
قبل أسبوع من الانتخابات أقامت وزارة المالية حراسة مالية بصحبة رجال الشرطة على شركة »رياض سيف وماجد الزايد« في فترة الانتخابات، وقبل (48) ساعة من يوم الانتخاب أي بتاريخ 28/11/1998 وفي ذروة الحملة الانتخابية نشرت جريدة تشرين في صفحة رئيسية وبأحرف بارزة إعلاناً عن بيع مكتبي المخصص لنشاطات مجلس الشعب، في المزاد العلني.
انتخابات الدور التشريعي السابع
مع انتهاء الربع الأول من عام 1998 كنت قد استنفذت كل قدراتي على الاحتمال تحت ضربات الحكومة الموجعة وقررت الاستسلام والانسحاب من المعترك السياسي لأنني خسرت كل ما أملك وبقيت مطالبا بضرائب لا طاقة لي على دفعها وكنت أعلم أن مزيدا من المضايقات سوف يستمر ضدي. لقد وجدت أنه ثمن باهظ يدفع دون جدوى فعلي الرغم من كل كفاحي خلال وجودي في المجلس فان الأمور كانت تسير من سيئ إلى أسوأ فيزداد التدهور الاقتصادي وينمو الفساد ويعم الظلم في تلك الفترة حضر اثنان من الصحافيين من جريدة تشرين لتسجيل حوار معي عن هموم الاقتصاد السوري فأبلغتهما أنني قررت اعتزال العمل السياسي. فما كان منهما إلا الإصرار فقد كيف أتكلم وأنا لا أريد قول غير الحقيقة وأنتم تعلمون أن الحقيقة مرة وقد لا تستطيعون نشرها فقالوا بكل إصرار أنهم مخولون بنشر الحققة مهما كانت. وهكذا تم تسجيل الحوار الذي نشر بالفعل في تشرين الأسبوعي بتاريخ 22/06/1998 تحت عنوان »حوار ساخن مع رياض سيف« في صفحتين كاملتين مع صورة كبيرة وتنويه بأهميته في الصفحة الأولى.
وبعدفترة وجيزة عرض التلفزيون السوري بالصوت والصورة مداخلتي في مجلس الشعب حول الجدوى الاقتصادية لزراعة القطن إضافة إلى ردود رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة ورئيس اتحاد الفلاحين وكل ما دار في تلك الجلسة من نقاش مع رئيس الوزراء. كانت تلك المرة الأولى خلال أربع سنوات التي تقدم فيها إحدى مداخلاتي في المجلس على التلفزيون بالصوت والصورة وكان هذا تغيير واضح في تعامل وسائل الإعلام مع ما أقوله أو أكتبه. وبعد أسبوع نشرت تشرين وعلى صفحة كاملة تفاصيل نفس الحوار الذي بثه التلفزيون.
في نفس الفترة أيضاً صدر كتاب بعنوان »الحقيقة القومية والاستراتيجية الديمقراطية في فكر حافظ الأسد« للدكتور رياض عواد وجهاد الأحمر الذي اختار له بمثابة الخاتمة إحدى الدراسات التي كنت قد نشرتها قبل فترة بعنوان »الإدارة هي وحدها المسؤولة عن النتائج«.
في هذه الفترة بدأ الحديث عن انتخابات ديمقراطية للدور التشريعي السابع حيث تم إصدار البطاقات الانتخابية لضمان نزاهة الاقتراع، وكثرت التوقعات باتخاذ خطوات أخرى على طريق تفعيل الديمقراطية.
كل ما سبق من تطورات جعلني أعيد النظر في قراري بعدم ترشيح نفسي. وبقيت أمامي مشكلة تمويل الحملة الانتخابية والتي تبلغ في حدها الأدنى أربعة ملايين ليرة سورية. وعند انتشار الخبر بين العاملين في الشركة قررت الغالبية العظمى منهم المبادرة إلى التبرع إصراراً منهم على أن أرشح نفسي، فجمعوا 625000 ل.س. وكان ذلك بمثابة فتح الباب أمام حملة تبرعات شارك فيها أفراد العائلة بكلفة طعام الوكلاء خلال يومي الانتخاب حيث بلغت حوالي 000.800.1 ل.س. وكذلك كان تجاوب بعض الأصدقاء الصناعيين كبيراً ومشجعاً هو الآخر. حيث قدم أحدهم كل المطبوعات اللازمة مجاناً. لذا تمكنت من ضمان المال اللازم وقدمت ترشيحي بقوة وإصرار. كنت مصمماً منذ البداية على أن تكون حملتي الانتخابية جريئة وواضحة تتناول بالمعالجة كل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة.
اعتادت دمشق أن تفتتح الحملة الانتخابية البرلمانية باجتماع في غرفة التجارة يستضيف كلاً من أمين فرع دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي والمحافظ ويدعى إليه عدد كبير من رجال الأعمال. وفي الاجتماع الذي افتتح الحملة الانتخابية للدور السابع تكلم الدكتور علاء الدين عابدين أمين الفرع بطريقة إن دلت علي شيئ فإنما تدل على أنه يعيش بعيداً عن معاناة المواطنين وهمومهم اليومية حيث قدم صورة مثالية خيالية عن ما نعيشه في سورية مصوراً الاقتصاد السوري كأحد أقوى الاقتصاديات في العالم. فهو يقف على أرضية راسخة ويتقدم بسرعة فائقة فاقت كل الاقتصاديات الأخرى. كما تكلم عن المجتمع السوري الذي ينعم بالرفاه والنعيم لدرجة تحسده عليها معظم الشعوب الأخرى. وتطرق بعدها إلى الديمقراطية في سورية فوصفها بأنها مثالية وأن الشعوب الأخرى تدرس إمكانيات الاستفادة من تجربة التعددية السياسية الفريدة من نوعها والتي تعتبر من أفضل الأنظمة الديمقراطية في العالم.
لقد استفزتني كثيراً الطريقة السطحية والفوقية التي تكلم بها السيد أمين فرع الحزب وعندما أتيحت لي فرصة التحدث قلت: »أن الصورة التي سمعناها من السيد أمين الفرع تأتي من منظار إنسان يجلس على كرسي السلطة، وهي مناقضة تماماً لما يراه الشعب من منظاره وانتقلت إلى تحليل الواقع الأليم الذي يمر به الاقتصاد السوري والمأزق الذي يواجه وطرحت التساؤل من أين لشعبنا أن يعيش بالرفاه وهناك كما يعلم الجميع حوالي مليون ونصف المليون أسرة تعيش على رواتب الدولة التي لا تكاد تكفي بضعة أيام في الشهر. كما أن الفلاحين والعمال وموظفي القطاع الخاص ليسوا أحسن حالا حيث تشكل هذه الشرائح مجتمعة حوالي 80% من السكان. وهم يعيشون تحت خط الفقر إذا لم يستعينوا بمدخراتهم. أما عن الديمقراطية فقلت أننا اليوم أمام استحقاق جديد وأن المواطن يفتح كشف الحساب ويتساءل ماذا فعلنا في الدور التشريعي السابق. وأنا شخصيا عندما أتعرض لمثل هذا السؤال أشعر بالحرج الحقيقي والخجل لأننا لم نفعل شيئا ذا قيمة في الواقع إذ كان الدور المذكور عقيماً ومن واجبكم يا سيادة أمين الفرع ويا سيادة المحافظ في هذه الجلسة أن تعيدوا الأمل للجمهور الذي أصابه الإحباط الشديد بعرض خطواتكم المقبلة على صعيد تفعيل الديمقراطية. إذ كيف يؤمن المواطن بالديمقراطية وقد شاهد بأم عينه أكياس الخيش الكبيرة المحشوة بالبطاقات الشخصية تنتقل من مركز انتخابي إلى آخر وشاهد بالعين المجردة كيف أن بعض المرشحين قد حصلوا في صناديق معينة على عدد من الأصوات يفوق أضعافاً عدد الناخبين المتواجدين في الدائرة الانتخابية المعنية«. وتابعت قائلاً بأنني رشحت نفسي مجدداً لتفاؤلي بوجود نية صادقة عند القيادة السياسية بإدخال جرعات ديمقراطية حقيقية بدأت بشائرها مع إصدار البطاقات الانتخابية الجديدة.
وما إن انتهيت حتى صب الدكتور عابدين جام غضبه على متهماً إياي بالتهرب من الضرائب وتشجيع التطبيع مع إسرائيل. وعندما سألته عن مصدر هذا الحكم أجاب بأنه من مقابلة أجرتها صحيفة الحياة معي عقب نجاحي في الدور التشريعي السادس نهاية عام 1994. فتوجهت إلى كل الحاضرين بالقول أنكم شهود عدل وأنا أشهد أمامكم بأنني ضد التطبيع مع إسرائيل جملة وتفصيلاً.
بعد تلك الجلسة مباشرة انهالت على النصائح بسحب ترشيحي والاعتذار عما بدر مني من »خرق« لتقاليدنا الديمقراطية العتيدة. أما أنا فقد خرجت من الجلسة أكثر إصراراً من أي وقت مضى فبادرت من فوري إلى كتابة بيان انتخابي من صفحتين حاولت أن أضمنه بشكل مكثف وواضح ما يعانيه شعبنا من هموم وأن أستكشف الطريق الأمثل من وجهة نظري لبناء مجتمع القوة والمنعة والرفاه. ونظراً لصعوبة إيصال البيان إلى كل الناخبين فقد قررت تلخيص ماجاء فيه بشعارات معبرة تعلق في أرجاء دمشق. وتقيداً مني بقانون الانتخابات قصدت محافظة مدينة دمشق لإيداع ثلاث نسخ من جميع المواد التي أريد استخدامها في حملتي الانتخابية، لكن رئيس الدائرة التشريعية بالمحافظة، وبعد أن قرأ بعناية البيان والشعارات. خلص إلى أن مثل هذه الدعاية الانتخابية تتطلب موافقة لجنة أمنية. وعندما سألته عن القانون الذي ينص على ذلك قال بأنه لا يوجد مثل هذا القانون إنما هو عرف. فقلت بأنني من الذين يؤمنون بأننا نعيش في دولة قانون وليس في دولة أعراف. فاستلم النسخ وهو يحذرني من البدء بحملتي الانتخابية قبل الحصول على موافقة أمنية. لم أكترث بهذا التحذير لعلمي أنني أعمل ضمن ما ينص عليه القانون، لذا قمت فوراً بتوزيع بياني الانتخابي وتعليق حوالي 1100 لافتة تحمل الشعارات المذكورة التي بدأ المواطنون على الفور بالتفاعل معها. وبعد يومين تم استدعائي على جناح السرعة من قبل المحافظ الذي بدا منذراً ومحذراً من خطورة ما أقدمت عليه. وخلال نقاش دام أكثر من ساعتين لم نستطع التوصل إلى حل.
في اليوم التالي قمت بتوجيه كتاب مقتضب للدكتور بشار الأسد يوضح ما حصل من ملابسات وأرفقت معه نسخاً من برنامجي وشعاراتي الانتخابية ومقابلة »الحياة«. سلمت الكتاب في الثانية عشرة ظهراً وفي السابعة مساءً تلقيت مكالمة هاتفية من الأمين القطري المساعد لحزب البعث أكد خلالها أنه لا يحق لأحد أن ينتقص من حقك المشروع في الدعاية الانتخابية التي تريد.
شعرت بهذه المكالمة بشيئ من الأمان وبادرت على الفور إلى تنظيم لقاءات حوار ديمقراطي في مضافتي تم اختيار مواضيعها بدقة لتشمل أغلب مناحي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية. وجرت تلك اللقاءات بنجاح منقطع النظير وكانت برهاناً أكيداً على مدى تعطش شعبنا إلى الحوار الصريح وقدرته على الاستفادة من المناخ الديمقراطي الحقيقي.
لقد اجتمعت ضدي كل القوى التي تنعم بمكتسبات الفوضى الاقتصادية والفوضى الاجتماعية في محاولات يائسة لتشويه سمعتي وكان لزاماً علي أن أناضل على كل الجبهات وأترك لصناديق الاقتراع القول الفصل. وفعلاً حصلت على 184520 صوتاً موزعة بنسب متقاربة على جميع المراكز المنتشرة في مدينة دمشق. رغم بعض حالات التزوير الأكيد الذي مارسته ضدي بعض الأطراف (*)
طلب تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق
كانت نتائج شركة رياض سيف وماجد الزايد لعام 1998 سيئة للغاية حيث تعرضت لخسائر كبيرة نتيجة الأسباب التي اتيت على ذكرها ونتيجة الضعف الشديد التي شهدته القوة الشرائية في الأسواق المحلية من ناحية أخرى. كما أن مصادرة حسابات الشركة في المصارف المحلية وأدت الحجوزات المتكررة على أموالي وطرح مكتبي في المزاد العلني أديا إلى تحفظ شديد في التعاون مع الشركة من قبل الموردين المحليين والمستوردين الأجانب. هذا إضافة للعوامل الأخرى مثل أزمة جنوب شرق آسيا التي تسببت بانخفاض الأسعار العالمية. كذلك انخفاض قيمة العملات الأوروبية مقارنة مع الليرة السورية.
فتوجهت إلى رئيس مجلس الشعب مطالبا بتشكيل لجنة من أعضاء المجلس للتحقيق بالمعاملة الكيدية التي تعرضت لها والعمل على إنصافي وإعادة حقوقي.
لكن رئيس المجلس رفض الاقتراح وتعهد أن يسعى لمساعدتي بالتوسط عند رئيس الوزراء. وبعد مرور أكثر من شهر شعرت بأنني لا ألقى إلا التسويف والمماطلة فتقدمت بكتاب مسجل إلى وزير المالية، فدعيت بعد أسبوع إلى اجتماع في مكتبه حضره أربعة من معاونيه. وبعد ساعتين تبين لي أن الاجتماع لم يكن يهدف إلا إلى ذر الرماد في العيون والظهور أمام من توسط لإيجاد حل لمشكلتي من المسؤولين في الدولة على أن الوزير مهتم بذلك وأنه قد أضاع ساعتين من وقته الثمين من أجلي. ومع ذلك قامت لجنة إعادة النظر بدراسة ستة تكاليف وأجرت عليها تخفيضاً.
ونظرا للأضرار الجسيمة التي أصابت الشركاء المنسحبين من شركة قباني وحملي وسيف نتيجة الحجز على ممتلكاتهم إضافة إلى قناعتهم بأني غير قادر على التسديد قرروا دفع المبالغ التي كانت تطالبهم بها وزارة المالية والبالغة 319.782.9 ل.س. وذلك ليتمكنوا من الاستفادة من مرسوم الإعفاء وبذلك يكون المبلغ المتبقي المتوجب على دفعه 802.570.14 ل.س. وفي نفس الوقت حصلت على حكم قضائي باسترجاع الفوائد والغرامات التي تم تسديدها عن سنوات الإعفاء الصناعي لمعمل داريا والبالغة 603.814.5 ل.س. وبذلك يكون المبلغ المتوجب الدفع 199.756.8 فلجأت إلى وزير الاقتصاد لمساعدتي في الحصول على قرض متوسط الأجل يمكنني من إغلاق ملف تلك المأساة مع وزير المالية فأبدى تعاطفا شديداً، ولكنه اعتذر بسبب وجود الحجز القانوني. ونصحني باستدانة المبلغ مع وعد أكير بتقديم كل المساعدة للحصول على قرض يمكنني من إعادة المبالغ المستدانة والعودة لمزاولة نشاطي الصناعي من جديد لجأت إلى بعض الأصدقاء من رجال الأعمال فبادروا مشكورين إلى جمع المبلغ المطلوب حيث ساهم 25 منهم بتسديد ما على من ضرائب.
وبعد الحصول على براءة الذمة تقدمت بطلب قرض لمعمل داريا المسجل باسم »جواد سيف وشركاه« لتسديد ما استدنته للضريبة وإعادة تشغيل المصنع ففوجئت بوزير الاقتصاد يكتب على طلبي »حسب الأصول« مما يعني عدم إمكانية حصولي على ذلك القرض لعدم توفر الشروط المطلوبة في مثل هذه الحالة الاستثنائية.
التفرغ للنشاط السياسي
بعد اضطراري للتنازل عن بقية حصتي في شركة اديداس، تفرغت لنشاطات مجلس الشعب فقدمت محاضرة في المركز الثقافي الألماني بعنوان »القطاع الخاص الصناعي وتحديات المستقبل« سلطت فيها الضوء على واقع القطاع الخاص الصناعي وقدمت عددا من الاقتراحات والحلول التي من شأنها أن تنقذ هذا القطاع مما يحيط به من خطر محدق وخسائر فادحة عند وضعه وجهاً لوجه في منافسة حرة أمام البضائع العربية والأوروبية التي سوف تدخل أسواقنا معفاة من الرسوم الجمركية تطبيعاً للاتفاقيات الموقعة أو الذي ينوي توقيعها.
اعتبر بعض أعضاء القيادة القطرية هذه المحاضرة نشراًَ لغسيلنا الوسخ مما يضر بالمصلحة الوطنية خاصة وأنها ألقيت في المركز الثقافي الألماني واتخذت قراراً بإلغاء محاضرة أخرى بعنوان »التصدير بين الحلم والواقع« كان مبرمجا لها أن تقام في المركز الثقافي في المزة بتاريخ 18/5/99 وتم تبليغ المدعوين بإلغاء المحاضرة واستبدالها بمحاضرة أخرى يلقيها السيد سمير صارم.
بعد مرور أربعة أيام على الإلغاء تبلغت من فرع القيادة القطرية وفرع الحزب بدمشق ووزارة الثقافة قرار إعادة السماح بإلقاء المحاضرة بوقتها المحدد. وقد تم ذلك وسط حضور متميز وتفاعل من الحضور عبر حوار صريح استمر ساعتين ونصف بعد انتهاء إلقاء المحاضرة.
مداخلة مثيرة للجدل
على الرغم من المأزق الاقتصادي الذي وصلنا إليه نتيجة السياسات الخاطئة للحكومة والتي أصبحت معالمها واضحة للعيان في كل مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية فان المكابرة وتزوير الحقائق ظلت السمة الغالبة على تصريحات الحكومة
قدمت الحكومة إغلاق حسابات موازنة 1996 إلى المجلس في منتصف أيار ومن خلال تحليلي الدقيق للجداول التفصيلية ومقارنتها مع جداول اغلاقات موازنات السنين السابقة وإسقاط تلك الأرقام على واقعنا الاقتصادي وما نشر من أبحاث تفصيلية في هذه المواضيع اكتملت في ذهني صورة واضحة عن خطورة استمرار الحكومة في هذا النهج الخاطئ فبادرت إلى تقديم مداخلة مطولة من 10 صفحات تعتمد لغة الإحصاء والأرقام لتبين ضرورة الإسراع في إعادة النظر بمجمل السياسة الاقتصادية الحالية إذا أردنا الخروج من مأزقنا والتغلب على ما يعترضنا من تحديات خطيرة.
لم ترق مداخلتي بالطبع للذين تعودوا على التغني بالإنجازات أو للذين اغتنوا من الفوضى الاقتصادية والاجتماعية ودار حوار ساخن في المجلس حول المداخلة استمر لأكثر من ساعتين وني أعتقد أن الجميع مقتنعون من صحة المعلومات الواردة في مداخلتي بمن فيهم من تصدي لانتقادها في الجلسة حتى وصل الأمر بالسيد مصطفى العايد رئيس اتحاد الفلاحين أن قال في نهاية اعتراضه على مداخلتي (وأقول لزميلي مع تقديري واحترامي بأنه كلام مكتوب من خارج الوطن العربي ولا يمكن لمواطن عربي يتحدث عن سورية وحتى ولو كان يكرهها مثل ما تحدث عنها، ولا يمكن لقادة إسرائيل نفسهم أن يتحدثوا مثل ما سمعنا).
ضريبة وقحة
في الشهر الأول من عام 88 اشتريت من السيد عرفان مريدن مكتباً مساحته 45م في الطابق الثاني في شارع خلفي في منطقة فكتوريا تم تسجيله لدى مديرية مالية دمشق دفعت ضريبته عند الاستلام من قبل البائع وبلغت 000.102 ل.س. وكانت ضريبة مرتفعة إذا ما قيست بمثيلاتها في تلك الفترة ولكن البائع كان إنساناً مسالماً كبير السن لا يريد أن يدخل في متاهات الدوائر المالية.
بعد ما يقرب العشر سنوات وبتاريخ 17/10/97 تبلغت مطالبة بدفع مبلغ 100.377.1 ل.س. تحت اسم فرق ضريبة عن المكتب المذكور. وتوقعت أن خطأ ما قد حصل فقدمت اعتراضا خطيا ولكني فوجئت بتاريخ 27/10/97 بقرار حجز تنفيذي على أموالي المنقولة وغير المنقولة صادر عن مديرية مالية دمشق. لقد طال هذا الحجز كل ما هو مسجل باسمي بما في ذلك حصتي في شركة اديداس (رياض سيف وماجد الزايد) المشملة بقانون الاستثمار رقم 10. وللعلم فقد استلمت التبليغ من القسم التجاري في السفارة الفرنسية قبل أن استلمه بشكل رسمي، حيث طلبوا بعض الاستفسارات عن مصير العمل في الشركة لأنها كانت تصدر معظم إنتاجها إلى فرنسا بمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات.
لقد سبب هذا الحجز أضراراً بالغة لسمعة شركة (رياض سيف وماجد الزايد اديداس) في الداخل والخارج كما طال حساباتها الجارية في المصارف المحلية مما منعها طيلة فترة الحجز من تحريك حساباتها علما أنها تشغل أكثر من 1000 عامل وهي أكبر مصدر ملابس إلى أوروبا على الإطلاق.
استمر الحجز 14 شهراً حتى ما بعد ظهور نتائج الانتخابات وبتاريخ 27/12/98 استلمت قراراً من لجنة إعادة النظر الثالثة يقضي بطي هذه الضريبة حيث تبين أنه لا يوجد ملف باسم رياض سيف يتعلق بهذه الضريبة هكذا وبكل بساطة بعد أن سببت لشركة اديداس (رياض سيف وماجل الزايد) خسائر مادية ومعنوية يصعب حصرها.
حادثة فقدان إبني إياد
رزقت ثلاثة أولاد: جواد مواليد1968، جمانة مواليد 1970، إياد مواليد 1975.
كان إياد منذ طفولته الأولى يتميز بالجرأة غير العادية محباً للقطط، كان إذا صادف قطة لا بد له أن يمسك بها ويغسلها مهما سببت له من أذى فكان في غالب الوقت تظهر علي يديه ووجهة آثار خرمشة القطط وكان مستقل الشخصية يصر على رأيه بعد أن أتم الدراسة الإعدادية قرر عدم إتمام الدراسة الثانوية لاعتقادة بأنها إضاعة للوقت فاتجه إلى تعلم اللغة الألمانية في معهد غوتة والعمل في المصنع حيث بدأ عاملاً استطاع خلال ثلاث سنوات أن يتقن صناعة الملابس ثم خضع لدورة تقوية للغته الألمانية لفترة 6 أشهر في أحد المعاهد المتخصصة في ألمانيا ثم تدرج في المراكز الإدارية في مجال الإنتاج. والتحق بخدمة العلم التي لم تمنعه من متابعة العمل في الشركة حيث تقلد منصب رئيس قسم توكيل اديداس للسوق المحلية في سن التاسعة عشر.
كان مجداً متميزاً في عمله حقق في فترة السنتين التي أدار فيها وكالة اديداس نجاحات كبيرة ظهرت في زيادة المبيعات لأكثر من 60%.
في الأسبوعين الأخيرين قبل فقدانه كان مضطرباً جداً وصار يصل إلى عمله في الشركة في وقت متأخر (بين 10-11) صباحاً. وبصفتي مديره وجهت له ملاحظات قاسية كان آخرها التهديد بالفصل عند تكرار التأخير لأنني اعتبر التأخير الصباحي بدون عذر من الكبائر خاصة لمن يتحمل مسؤولية في الإدارة.
في اليوم الأخير قبل فقده كنت قاسياً معه بسبب التأخير فتقبلها برحابة صدر وقال لي »أنت لا تعلم أن روحي فداك«. لم أتوقف كثيراً عند هذه الجملة واعتبرتها نوعاً من المجاملة والاعتراف بالذنب.
كان برنامج إياد قضاء يوم الجمعة 02/08/1996 في بيروت لاجتماع عمل مع قسم اديداس للشرق الأوسط بهدف التنسيق وحل بعض المشاكل المعلقة مع شركة اديداس.
في الساعة الثانية عشر ظهراًِ من يوم الخميس تقريباً تلقى مكالمة هاتفية يحثه فيها المتكلم بإلحاح على قضاء يوم الجمعة في اللاذقية بصحبة بعض الأصدقاء.
روى أحد الموظفين وكان يستمع إلى المكاملة الهاتفية أن إياد حاول أن يعتذر بشتى الوسائل ولكنه رضخ بالنهاية لإصرار مكلمه ثم قام على الفور بإلغاء موعده في بيروت وفي المساء سافر مع أصدقائه إلى اللاذقية.
كان يوم جمعة 2 آب 1996 وصادف يوم افتتاح مهرجان المحبة وكانت اللاقية تعج بالمصطافين وزوار المهرجان.
في الساعة الثالثة والنصف من بعد الظهر ذهب برفقة رفعت السبيعي على موتور مائي (جواسكي) وانقطعت أخباره وأخبار صديقه حتى عاد رفيقه رفعت إلى الشاطئ الأزرق الساعة التاسعة والنصف ليلاً بأعصاب باردة يلوح بنظاراته وعندما رأى أحد رفاقه سأله عن إياد وعندما قالوا له أنه لم يعد بدأ يظهر الحزن الشديد ويتصرف كمن فقد عزيزاً عليه وروى ما حدث على الشكل التالي
"بعد المضي في عرض البحر بسرعة 70 كم وبخط مستقيم توقف المحرك في نقطة كانت قبالة أبنية الدراسات وبعد أن سرنا ربع ساعة انطفاء المحرك لنفاذ الوقود وبقينا ننتظر تحت أشعة الشمس حتى الساعة السابعة والنصف ولم يمر بنا أحد ثم قررنا السباحة إلى شاطئ الدراسات وبعد أن سبحنا سوية لمدة ربع ساعة ابتعد عني إياد ثم سمعت صوته يخبرني أنه متعب ثم لم أعد أراه فوصلت إلى الشاطئ بعد ربع ساعة أخرى من السباحة أي في الساعة الثامنة«.
علماً أن بقية رفاقه قاموا بعدة محاولات للبحث عنه بصحبة المسؤولين عن الشاطئ الأزرق وكان آخرها الساعة السابعة والربع دون جدوى وقد أدعى رفعت بأن الموتور فارغ من البنزين وعند استعادة الموتور وجد أن ما فيه من البنزين يكفي لمسافة طويلة!.
تم إبلاغي في صباح يوم السبت فتوجهت إلى اللاذقية وبعد أن اعتبرت أن الحادث قضاء وقدر عدت إلى دمشق مساء نفس اليوم وكان كل الخبراء يتوقعون ظهور الجثة خلال أيام وربما بعد أسابيع نتيجة تغير التيارات البحرية.
وقمت بإعلام سلطات خفر السواحل التركية وعممت السلطة السورية الخبر على كل المرافق البحرية السورية. ولكن طال الانتظار وتشابكت أخبار ما قبل فقد إياد وكان أبرزها أنه كان يعيش في قلق كبير خلال الأسبوعين الأخيرين فكان غالبا ما يجلس في البيت لا يستطيع النوم. وكثيراً ما كانت أمه تستيقظ لصلاة الصبح فتجدهجالساً مهموماً يفكر يبدو عليه التعب والقلق في آن معاً.
وروى أحد زملائه أنه قبل أسبوعين جاءه بحالة عصبية متوترة يطلب مساعدته بشراء مسدس بالسرعة الكبيرة وفعلاً اشترى مسدساً ولكن عندما علم أنه غير صالح بما فيه الكفاية استبدله بمسدس آخر ولكنه عندما ذهب إلى اللاذقية لم يصطحب ذلك المسدس مع وحتى الآن مازال الغموض يكتنف قصة اختفائه. واستنتاجي الشخصي أن لا علاقة للبحر بالموضوع ولكني لا أجد دليلاً لإثبات ذلك وتبقى قناعتي أنه لا بد من أن تظهر الحقيقة في يوم من الأيام لقد كثرت الإشاعات وكان أكثرها وقاحة أنني أخفيته وأرسلته إلى أوروبا محملاً بمبالغ كبيرة من الأموال أريد إخفائها. مع العلم أن إياد كان يحمل جواز سفر نظامي ويسافر بإجازة نظامية خارج البلاد مرتين في السنة على الأقل لمتابعة مؤتمرات اديداس العالمية.
طرق الارتزاق
في عام 1995 احتاجت شركتي إلى 10 أطنان من الغزول فعلمت أن سعر الكيلو الغرام الواحد في السوق السوداء يزيد 55 ل.س. عن سعرها الرسمي في المؤسسة العامة النسيجية فتوجهت إلى المؤسسة، وخلال أقل من ساعة حصلت على استثناء موقع من مدير المؤسسة ووزير الصناعة ومدير معمل حماة الذي كان بزيارة للمؤسسة، بتسليمي العشرة أطنان من الغزول. في البداية سررت كثيرا لاهتمامهم وعلمت بأنه بإمكاني أن أحصل على أية كمية في المستقبل متى أريد.
وفي طريق العودة إلى مصنعي بدأت أفكر بما حدث ووصلت إلى قناعة بأنني أبيع ضميري كعضو مجلس الشعب، لأنه ولولا هذه الصفة لما حصلت أبدا على هذا المغنم. وفور وصولي إلى المعمل اتصلت بمدير المؤسسة السيد مصطفى جاويش وطلبت منه إلغاء الاستثناء فقال لي على الفور :»معقول فيها نصف مليون ليرة« فقلت له من أجل ذلك أرفضها.
هذه واحدة من آلاف الوسائل التي مكنت الفئة المستفيدة من الفوضى الاقتصادية من جميع الأموال الطائلة على حساب معيشة الشعب ومستقبله.
الخاتمة
لا شك أن ما دفعته ثمنا لمواقفي المبدئية كان ثمنا غاليا أتى على نتاج عمل ودأب متواصل استمر لأربعين عاما بل أن الثمن كان أكبر من ذلك وكان يمكن بكل سهولة تفاديه وتحويله إلى جني أموال طائلة ولكن ذلك لا يكون إلا على حساب التنكر للمبادئ والقيم والتعدي على مصالح أبناء الشعب وخيانة من فوضني من الناخبين إن كل ما تكبدته من خسائر لم يزدني إلا إيماناً وإصرارا على تأدية الأمانة ولقد علمت منذ البداية أن الكفاح لا يمكن أن يكون سهلا ولا بد له من ثمن. وقد أخرج مهزوما موصوما بكل التهم المشينة ولكن هذا لم ولن يثني لأن ما أقوم به هو واجب ارتضيته فغدا متعة حياتي ورضى نفسي فليس لي فيه منة على أحد ولا أطلب جزاءا ولا شكورا، وربما أكون أحد المسخرين لخدمة الشعب كما قال سيدنا محمد في الحديث الشريف »إن لله رجال سخرهم لقضاء حاجات الناس...« وكما جاء على لسان رسول المحبة سيدنا عيسى عليه السلام »من أراد أن يكون كبيرا فيكم فليكن لكم خادماً«.
رياض سيف
دمشق
هامش: (*) خلال فرز الأصوات أردت اختبار بعض الصناديق التي جرى عدها وختمها بالشمع الأحمر فطلبت إعادة فتح صندوقا كان عدد أصواتي في قبل إعادة العد 240 صوتا. وعندما لقيت الكثير من الممانعة في إعادة فتحه من قبل بعض القوى لجأت إلى محافظ دمشق الذي قدم لي المؤازرة على الفور وأرسل معي اثنان من كبار موظفيه، حيث قمنا بإعادة العد فكانت أصواتي الحقيقية 320 صوتاً أي أن 80 صوتاً قت تم إخفاؤها. وبالمقابل ظهرت أصوات وهمية لمرشح آخر وبأعداد كبيرة. وقد أبدى المحافظ استعداده لفتح أية صناديق أخرى إذا رغبت بذلك ولكن النتائج بدأت بالظهور وكانت الأصوات التي حققتها تؤكد فوزي في المراتب الأولى وأن ما خسرته من أصوات بسبب التلاعب لم يعد له من الأهمية التي تستدعي خلق مشكلة كبيرة أو تأخير عمليات الفرز النهائي حيث كان الوقت متأخرا في ليلة فرز الأصوات والناس مرهقون فقررت التنازل عن حقي.