
لقد ضمن الدستور السوري جميع الحريات الأساسية، كما ضمن بشكل واضح مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، وسيادة القانون على الجميع كما أكد على فصل السلطات الثلاث، وحدد دور كل منها في إدارة الدولة ورعاية مصالح الشعب.
على الرغم من ضخامة التحديات التي تواجه اقتصادنا والمعاناة التي تزداد وطأتها على شعبنا يوماً بعد يوم مافتأت فئة من أصحاب المصالح الخاصة تحاول ذر الرماد في العيون، تتشدق بانجازات لم تساهم في تحقيقها وتعطي صورة مضللة لإنجازاتها الوهمية فمن يسمع خطاب الحكومة في كل مناسبة يظن أننا أنجزنا كل شيء، وماعلينا إلا أن نستريح وننعم بتلك الانجازات، وما أن نتوجه إلي الواقع الحال حتي نرى حالة مرعبة من الفقر والاحباط وضياع الحقوق واستفحال الفساد، مما يهدد مستقبل الأمة بأسرها، بعد ان استنزفت مواردها المادية واغلق الباب أمام مانحتاجه من تفعيل ديمقراطي.
عام 1987 تسلم السيد محمود الزعبي رئاسة مجلس الوزراء في ظل ظروف محلية واقليمية ودولية بالغة الدقة والخطورة إذ كان العالم يعيش مخاضات شديدة ومتسارعة تنبئ بولادة عالم جديد تتزعمه الدول الصناعية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي تسعى لتحويل العالم إلى سوق واحدة، تعتمد على المنافسة الحرة، عالم لا حياة فيه للضعفاء.
في ظل تلك الأجواء أصبح لزاماً على الحكومة السورية أن تعيد النظر بسياستها الاقتصادية فابتدعت ماسمته بالتحول التدريجي نحو اقتصاد السوق مع الحذر الشديد خشية الانزلاق، وكان ذلك تغطية مناسبة لهروب مع اعتماد برنامج حول اقتصادي واضح ينفذ ضمن خطط معلنة، مما سمح لها بالتصرف كيفياً واتخاذ القرارات الاقتصادية بما ينسجم مع مصالح فئة صغيرة على حساب الأكثرية مستخدمة أدوات فضفاضة مثل لجنة ترشيد الاستيراد والتصدير والمجلس الزراعي الأعلى وغريها من الهيئات واللجان، فأصبحت القرارات تفصل على قياس تلك الفئة من المستفيدين التي تشكلت من بعض المسؤولين وأبناءهم وشركاءهم من التجار، ومن خلال التعقيدات في معاملات المواطنين واستفحال البيروقراطية أصبح لا مفر من دفع الاتاوات ابتداء من التعاقدات الكبيرة مع الدولة وانتهاء ببيع فرصة عمل في الدولة قد لا يتجاوز الراتب فيها 3000 ل.س مما أدى إلى انتقال جزء كبير من أموال المواطنين والمال العام إلى جيوب تلك الفئة وحساباتها في الخارج.
لقد ساعد في الوصول لهذه الحالة مئات القوانين القاصرة والمهترئة التي تجبر المواطنين على مخالفتها بشكل جماعي بالاضافة إلي هزالة الرواتب التي جعلت الكثير من موظفي الدولة مستثمرين لمناصبهم يفرضون مايحلو لهم من الاتاوات بما يتناسب مع حاجة المواطن لتوقيعهم واتقاء شرورهم.
رغبة من الحكومة في استمرار تلك الفوضى فقد حرصت على عدم تحديث القوانين وعدم رفع الرواتب كما يتبين من كلام رئيس مجلس الوزراء في مجلس الشعب حيث قال في سياق رده على مطالبة أعضاء المجلس بزيادة الرواتب »ليس عيباً أن يبيع المعلم الخضار علي الرصيف بعد الدوام كما أن أغلب الموظفين في الدولة يحصلون على عمل آخر بعد الدوام وهذا يعني توفر فرص العمل في سورية بمعدل فرصتين لكل طالب« واتبع ذلك بحجج ليس من مصلحة الوطن ذكرها.
في خضم التحولات الاقتصادية العشوائية صدر قانون الاستثمار رقم (10) وقد دس في مادته الثالثة جملة »وسائل النقل« استأثرت باعفاءات من الرسوم الجمركية تزيد عن 50 مليار ل.س اضافة إلى اعفاء من ضريبة الدخل لخمس سنوات علىالرغم من أن هذه الجملة تتناقض مع روح القانون وأسبابه الموجبة، وقد توزعت تلك العطاءات السخية من الحكومة على عدد لايزيد عن مائة شخص كل من يعود إلى قوائم اسماءهم اكتشاف سر وجود هذه الجملة في القانون، وفي الطرف الآخر فان الموظف والعالم مجبر على دفع ضريبة دخل بنسبة 11% عن راتبه البالغ 5000 ل.س دون الاكتراص بأن مثل هذا الرابت لا يرقى إلى تغطية الحد الأدني الضروري لمعيشة العامل وعائلته وإذا أردنا الاستطراد في ذكر الأمثلة عن مانعيشه من تناقضات لاحتجنا إلي عشرات المجلدات.
وفي السياسة الاقتصادية للحكومة فقد سعت إلى مضاعفة التحصيلات الضريبية وبشكل عشوائي وعدم صرف نسب كبيرة من مخصصات المشاريع الاستثمارية في الموازنة وتقليص ماكانت تدفعه الدولة من دعم للمواد الأساسية وعدم رفع الرواتب رغم ارتفاع نسب التضخم.
وقد تمكنت بكل تلك الاجراءات من تحقيق هدف تثبيت سعر صرف الليرة ولكن تلك السياسة أوصلت الاقتصاد السوري إلى مأزق صعب ليعيش حالة من الجمود والتخلف عن مثيلاته في الدولة المنافسة حيث بات اقتصاداً راكداً وغير قادر على التفاعل مع استحقاقات التحديات القائمة.
ان الفئة المستفيدة من تلك السياسات حريصة كل الحرص على أن لا يعكر صفوها أية مراقبة أو محاسبة حقيقية ولذلك تسعى بكل الأساليب إلى تهميش دور أعضاء مجلس الشعب والتعامل مع كل عضو بما يتناسب مع موقفه منها، ومن يحاول تعكير صفو تلك الفئة بفضح أخطائها فسيكون الخاسر قطعاً في معركة غير متكافئة.
لقد حرصت الحكومة دائماً على التعتيم ما أمكن على أعضاء مجلس الشعب بعدم تمكينهم من الحصول على أرقام تفصيلية وأبرز مثال على ذلك هو اختصار عدد النسخ من الجداول التفصيلية لاغلاق ميزانيات الدولة المقدمة للمجلس على ثلاث نسخ تحصل منها لجنة الموازنة على نسخة واحدة فقط، ولكني تمكنت بشكل استثنائي من الحصول على نسخة من تلك الجداول وقمت بافراغها على الحاسوب ضمن برنامج مكنني بكل بساطة من تحليل جميع أرقامها واجراء المقارنة والمجاميع لعدد من السنين كما أعطاني العديد من التقارير والدراسات المنشورة منها وغير المنشورة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية مما مكنني من اظهار الكثير من الأرقام الحقيقية التي تتناقض مع ماتعلنه الحكومة الأمر الذي وضعني موضع العدو وبات لزاماً عليّ تحمل تبعات ذلك العداء وكل نتائجه.
رغم كل ذلك فان ايماني ظل راسخاً بأننا بحاجة ماسة ومصيرية لانقاذ مايمكن انقاذه عن طريق اصدار مجموعة متكاملة من القوانين القادرة على إعادة الحركة لاقتصادنا واعادة التوازن وضرورات المعيشة للأكثرية الساحقة من أبناء شعبنا عن طريق زيادة الانتاج وتحسينه والعودة إلى مجتمع تكافؤ الفرص وسيادة القانون واستعادة السلطتين التشريعية والقضائية لكل ماتم انتقاصه من صلاحقتهما بما يكفل اعادة تفعيل كل فئات الشعب والسماح لها بالعمل تحت النور لقطع الطريق على كل المستفيدين من التستر والفوضى.
لقد فهمت فوزي بعضوية مجلس الشعب بمثابة تفويض من الناخبين للدفاع عن حقوقهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم وشعاري الأساسي في ذلك »أن لا سلطة على عضو مجلس الشعب سوى سلطة الضمير« وذلك من خلال ماينص عليه الدستور السوري، والتزاماً بتوجيهات الرئيس حافظ الأسد حين قال في كلمته بتاريخ 19/11/1981 » ولايفوتني منذ اليوم الأول لانعقاد مجلسكم، ان أؤكد علي الأهمية القصوى لممارسة المجلس مهامه الدستورية ممارسة تامة، وفي اطار المتابعة والديناميكية والدقة والرؤية الثاقبة لمصالح الشعب العامة ومن الخطأ والخطر ألا نرى بشكل واضح مدى السلبية التي تنجم عن أي تهاون أو تقصير بممارسة المجلس دوره كاملاً وهو المؤسسة التي اختارها الشعب كأعلى سلطة تشريعية أنها أمانة مقدسة أن يقوم كل منا بالدور الذي أوكله لنا الشعب وفي اطار الدستور الذي حددته الجماهير.
لذلك رأيت من واجبي أن أقدم لكل مواطن غيور حقيقة المأساة التي عشتها والتي قادتني إلي حافة الإفلاس رغم ماقدمته للصناعة من خدمات وكل ماقدمته للعمالة السورية من حب وتقدير وفرص عمل شريف، ولا أبغي من ذلك مجرد إنصافي وتعويض مالحق بي من معاناة دائمة ومنعتهم من الحصول علي حقوقهم كمواطنين في حياة كريمة.
ولعرض تجربتي سأكتفي برواية المحطات الأساسية منها وأترك للقارئ العزيز مهمة الحكم والاستنتاج...
في شتاء عام 1997 زارني في شركة اديداس سفير دولة الإمارات للتأكد مما سمع عن جودة منتجات الشركة وجوها الإنساني المتميز. قمنا بجولة استغرقت ساعتين رأى خلالها اناساً يعملون بجد ونظام، ترتسم علي وجوههم ابتسامات صادقة تدل على الرضى والمحبة. وتوقف ملياً عند المنتجات المعدة بأغلبيتها للتصدير إلى أوروبا، ملابس رياضية تحمل أسماء »أديداس« وريبوك« و»سبيدو« وبدلات عمل تصنع خصيصا لشركات مرسيدس وأوبل الألمانيتين، وملابس نسائية من أرقى الأصناف تصنع خصيصا لكبريات الشركات الإنكليزية، ثم أتى دور قسم الخدمات الاجتماعية فزار المسرح الذي يتسع لـ 700 شخص ثم المطاعم التي تخدم العمال طيلة أوقات الدوام وحضانة الأطفال التي خصص فيها لكل عشرة أطفال مربية متخصصة وقسم الرعاية الصحية الذي يضم العيادات الداخلية والعينية والسنية ثم وقفنا طويلا في قسم الإشراف الاجتماعي الذي يعمل فيه ثلاثة من المختصين مهمتهم رعاية صحة العمال الجسدية والنفسية والوقوف معهم ومع عائلاتهم في مناسبات الأفراح والأتراح وتقديم الدعم المادي والمعنوي لأسرهم بعيدا عن أية بيروقراطية. وفي الختام زرنا مدرسة تعليم الخياطة ومركز التطوير الذي ساهم بتأسسهم اثنان من الخبراء الألمان.
في نهاية الجولة عرضت عليه تناول الغداء في شقتي القريبة من المصنع فوافق على الفور حبا بالاستطلاع على ما أعتقد. وبينما زوجتي تحضر الطعام بادر إلي سؤالي باستغراب شديد هل هذا حقا بيتك الدائم أم أنه محطة؟ وقد عذرته لأن مساحة البيت لم تكن تتجاوز (90م2)، وهو بسيط بمحتوياته لا يتناسب مع كونه بيت رجل أعمال مثلي وعضو في مجلس الشعب. ثم زاد استغرابه عندما علم أن هذه الشقة ليست ملكي بل استأجرتها بعقد سياحي يجدد كل ستة اشهر لأني غير قادر على شراء شقة سكنية رغم أن ما تدفعه الشركة من أجور وخدمات للعاملين يزيد عن عشرة ملايين ل.س شهريا، وأن متوسط ما صدرته في السنين الخمسة الأولى من عمرها بلغ 1.600.000.000 ل.س وأنها تملك توكيلا لإحدى كبريات الشركات في العالم »اديداس«. وغادر السفير مندهشاً من المفارقة التي شاهدها، وتمت بيننا صداقة عميقة استمرت حتى مغادرته سورية.
كان هذا التناقض الظاهر نتاجاً لأحداث مثيرة عشتها على امتداد السنين العشر الماضية والتي بمجملها صراعاً من أجل البقاء. لم يكن همي فيه إلا الحفاظ على حقوق الآخرين وعلى اسمي ومصداقيتي والاستمرار في الإنتاج الذي يعطيني المتعة كأحد أهم أسباب وجودي لان الإنتاج هو الخلود والعطاء وتوفير فرص العمل الشريف هو أسمى الغايات.
بداية نشاطي الصناعي
وفي صيف 1959 بعد أن أنهيت المرحلة الابتدائية، أتيحت لي أثناء العطلة الصيفية فرصة العمل في معمل للقمصان بأجر أسبوعي قدرته 6 ليرات سورية. ومن خلال العمل 12 ساعة يومياً على الأقل استطعت كسب ثقة رب العمل مما جعله يعرض علي أن أعمل بعد المدرسة مقابل ليرة سورية لكل ساعة! الأمر الذي وفر لي 90 ل.س شهريا.
في صيف 1963 تبلورت لدى أخي الأكبر فكرة إقامة ورشة للخياطة ضمتنا أنا وأخي الآخر الذي كان معلما. كان مجموع ما وفرناه نحن الثلاثة بحدود (2800 ل.س) وكانت كافية في ذلك الوقت لاستئجار المكان والبدء بإنتاج القمصان الرجّالية.
وخلال 10 سنوات أصبحت شركتنا (الاسم التجاري ماركة 400) أحد أهم معامل القمصان في تلك الفترة وربما أهمها على الإطلاق.
بقيت متابعتي للعمل تساير دراستي إلى أن أخذت الشهادة الثانوية وسجلت في كلية العلوم، لكن ضغط العمل منعني من الاستمرار في دراستي الجامعية، فتفرغت كليا للصناعة.
عام 1974 أصبحت حاجتنا ماسة لاستيراد احتياجتنا من الأقمشة ولوازم الخياطة مباشرة وذلك للحفاظ على المستوى المتميز لمنتجاتنا وزيادة أرباحنا من العمل التجاري طالما أن السيولة وإمكانيات التطور متوفرة. ونظرا لإلمامي بمبادئ اللغة الإنكليزية التي اكتسبتها من دورات ليلية فقد كنت المرشح الأوفر حظاً بين اخوتي للسفر إلى أوروبا. فقمت في نيسان 1975 بأول زيارة إلى ألمانيا وساهم النجاح الكبير الذي حققناه في إحراز تطور سريع وبناء علاقة مرموقة مع أشهر شركات تصنيع الأقمشة في ألمانيا والنمسا مما جعل من شركتنا واحدة من أكبر مستوردي الأقمشة لحاجات مصنعنا والمصانع الأخرى
لقد أتاحت زياراتي المتكررة إلى ألمانيا المجال لتحقيق رغبتي الجامحة في الاطلاع على آخر ما توصل إليه الألمان من تقنيات في صناعة الملابس فقمت بزيارات متعددة لشركات تصنيع القمصان الرجالية عالية الجودة وتنامت لدي الرغبة في إقامة منشأة جديدة للقمصان والبلوزات النسائية في سورية، أطبق فيها ما اطلعت عليه من خبرة في طرق التصنيع والإدارة. واستطعت تحقيق ذلك الحلم في عام 1980 فأسست فرعا جديدا لشركتنا وكنت المسؤول الأول عن إدارته وحرصت على أن يكون متميزا كل التميز باتباع الطرق العلمية في التصنيع على قاعدة صلبة من احترام العاملين والوفاء بحقوقهم الإنسانية والمادية فكان أول معمل في سورية تتوفر في وجبات الطعام المشترك وحضانة لأطفال العاملات وعيادة طبية وقسم للإشراف الاجتماعي وكلها خدمات مجانية إضافة إلى ملعب رياضي يتيح المجال للعمال ممارسة الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع وكذلك منفذ بيع للمواد الاستهلاكي كفرع لوزارة التموين استطاع العامل من خلاله الحصول بسهولة على كل احتياجاتهم من المواد المقننة وبعض المواد الأساسية الأخرى بالإضافة إلى توفير النقل الجماعي المجاني.
كانت تجربة رائعة أشبه ما تكون بمباراة في الكرم قائمة باستمرار بين العمال والإدارة كب يريد أن يثبت أنه الأكثر كرما وعطاء. وجني الجميع ثمار هذه العلاقة السامية فربح العمال وربحت الشركة وأصبحت واحدة من رموز الصناعة الوطنية ومبعث فخر واعتزاز كل العاملين فيها. استطاع هذا المصنع أن يطور إنتاجا مميزا بتكاليف معقولة ووصل عدد العاملين فيه إلى 320 عاملاً. وكانت الضرائب تدفع في حينها حسب خطة الإنجاز وكانت معقولة ولا تشكل عائقا أمام استمرار التطور في ذلك المصنع. وحتى نهاية عام 1988 كان كل المتزوجين من العمال قد تمكنوا من شراء شقق سكنية خاصة.
النجاحات
في صيف عام 1987 وصلت شهرة هذا المصنع، الذي كنا نطلق عليه معمل »القدم« نسبة إلى اسم المنطقة، ذروتها فنشأت عندي فكرة بناء معمل آخر أضع فيه منذ البداية خلاصة ما تراكم عندي من خبرة. وسرعان ما انهالت علي العروض للمشاركة. واستطعت في فترة لا تتجاوز 10 أشهر (من منتصف عام 87 وحتى بداية نيسان 88) بدء الإنتاج في المصنع الجديد الذي ضم 280 عاملاً وأطلق عليه اسم »معمل داريا« كان مثاليا حقا، ساعده على التميز بناؤه المناسب الذي صمم منذ البداية ليلبي كل الحاجات الضرورية للتصنيع والخدمات الاجتماعية.
كانت حصتي فيه 5/30 سهم سجلت باسم ابني جواد مع احتفاظي بكامل الصلاحيات في الإدارة والتسويق مقابل نسبة أتعاب محددة.
أضاف لي هذا المصنع مزيدا من الشهرة والثقة بالنفس وأصبحت تجربتي في المصنعين المذكورين حديثا يتناقله الناس وعلى الأخص التفاصيل المتعلقة بالخدمات الإنسانية المتميزة التي لاقت الإعجاب والتقدير من كبار المسؤولين في الحكومة والزبائن المحليين والأجانب وكل من زاره أو سمع أخباره من المخلصين الفخورين بوطنهم وشعبهم.
وعلى الرغم من الشكوك وعدم الثقة التي كانت الصحافة المحلية تبديها حيال القطاع الخاص الصناعي فان جريدة الثورة الرسمية خرجت عن المألوف وأفردت صفحة كاملة بتاريخ 09/07/1989 نشرته فيها كل تفاصيل تلك التجربة تحت عنوان »تجربة رائدة في القطاع الخاص الصناعي« حيث بدأت الفكرة عندما كان أحد الصحفيين في الجريدة وهو مشبع بالأفكار الاشتراكية يصغي لإحدى قريباته وهي تتحدث بعفوية عن سعادتها بما توفره الشرة من أجور مجزية وخدمات إنسانية واجتماعية.
في البداية لم يصدق كل ما سمعه فذهب بنفسه إلى الشركة والتقى عدداً من العمال والإداريين واستزاد بالمعلومات التي تعرفها نقابة النسيج في دمشق. وخلص إلى قناعة بأن هذه التجربة وطنية خالصة يجب أن تنشر بكل تفاصيلها عسى أن تحفز شركات القطاع الخاص الصناعي وشركات القطاع العام على السير على خطاها وتبين لهم مدى مساهمة جو العمل الإنساني في نجاح المشروعات الاقتصادية السورية.
وفي صيف ذلك العام زار الشركة كل من السادة الدكتور نائب رئيس مجلس الشعب للشؤون الاقتصادية ودهشوا لما شاهدوا وسمعوا من العاملين وقال أحدهم للآخر: »هل نحن ما زلنا في سورية أم وصلنا إلى سويسرا؟« ثم استطرد قائلا : »لا بل انه أفضل مما رأيت في سويسرا....«.
تكررت زيارات المسؤولين وضيوف الدولة من العرب والأجانب مثل وزير الصناعة المصري وأعضاء بعثة منظمة العمل الدولية وغيرهم في صيف 1989 ونتيجة إلحاحي الشديد وافق زوج ابنتي علي التحول من التجارة إلى الصناعة. وهكذا ولدت منشأة جديدة توظف 200 عامل هي »شركة منعم وسيف«. ساهمت فيها بنسبة الثلث كما اسهم والده بثلث آخر وزوج ابنتي بالثلث الثالث إضافة إلى تفرغه لإدارة المشروع. وتم شراء مكان قريب من معمل القدم وبدأ تجهيز المصنع.
في نفس الفترة طلب مني عدد من الأصدقاء مساعداتهم في إقامة منشأة أخرى لصناعة المبلابس ونزلت عند رغبتهم ثقة مني بتوفر كل الشروط الضرورية للنجاح، خاصة وأن تجهيز مصنعين في آن واحد سيعطينا شروطاً أفضل بشراء ضعف العدد من الآلات والتجهيزات اللازمة. وقد تكفل اثنان من الشركاء بإدارة المشروع أحدهم دكتور مهندس والآخر صيدلاني.
في نفس الفترة تواجد في دمشق وفد تجاري من الاتحاد السوفيتي لشراء المبلابس من سورية. ونظرا للنجاحات الكبيرة في تعاملنا معهم على مدى السنوات السابقة وانسجاما مع رغبة الاتحاد السوفيتي بالإسراع في تحصيل ديونه من سورية فقد تمكنت من توقيع عقد لتصدير القمصان الرجالية والملابس النسائية بمبلغ 4 مليون جنيه استرليني وهو رقم كبير جداً قياسا بعقود السنين السابقة. على أن يتم التسليم طيلة عام 1990. لقد أخذت بعين الاعتبار عند التعاقد على تلك الكميات الكبيرة الطاقة الإنتاجية للمامل الأربعة »القدم« و»داريا« و»منعم وسيف« ومعمل الأصدقاء الذي أطلقنا عليه اسم »حاكمة ودرويش وشموط وسيف وشركاهم«.
بعد توقيع العقود المذكورة بدأت عل الفور بتثبيت شراء الكميات اللازمة من المواد الأولية التي كان نصفها تقريبا مستورد وعلى سبيل المثال بلغت حاجة تلك العقود من الحشوات فقط (من شركة »نينو« الألمانية) ما يزيد عن 12 مليون ل.س. ودفعنا أكثر من هذا المبلغ ثمن الدانتيل من سويسرا. كما استوردنا (187) ألف متر ورق طباعة بقيمة 5 ملايين ل.س. تقريبا من فرنسا. هذا عدا قيمة الأقمشة المستوردة والمحلية التي زادت عن 100 مليون ل.س.
وبما أني المسؤول عن تأمين العقود للمصانع الأربعة فقد قمت بتثبيت جميع الكميات من المواد الأولية واللوازم مسئوليتي الشخصية حيث لم يكن واضحا تاريخ بدء الإنتاج في المعملين الجديدين، وتم تأجيل توزيع كميات العقود على المعامل الأربعة لوقت لاحق.
في بداية العام نفسه 1989 قمت بتأسيس شركة في شمال فرنسا لبيع الملابس السورية مباشرة للمستهلك الفرنسي تحت شعار »البيع المباشر« بهدف تغطية نسبة الـ 20% من الصادرات إلى روسيا الواجب تصديرها إلى الأسواق الحرة وكذلك لفتح سوق جديد لمنتجاتنا في أوروبا.
استطعت في آذار عام 1989 افتتاح أول صالة للبيع المباشر في فرنسا بمساحة 700م2 في مدينة سان تومير وقد لاقت نجاحا كبيرا شجعني على فتح صالة أخرى في مدينة ارمانتير في شهر أيلول من نفس العام. كان برنامجي يهدف إلى تأسيس شبكة من هذه المحلات في فرنسا وكان أهم أسباب نجاح هذا المشروع عدم وجود أي وسيط بين المستهلك الفرنسي ومصانعنا وكذلك الإعفاء الكامل للملابس السورية من الرسوم الجمركية مما مكننا من تقديم منتجات ذات جودة عالية بسعر يقارب نصف السعر المتداول في فرنسا. وقد امتلكت الشركة مركزاً رئيسيا لبيع الجملة بمساحة 2500م2. كما قمت في صيف نفس العام البدء بتأسيس مركز بيع بالجملة في دبي. حتى بداية الشهر العاشر من عام 1989 كانت كل المشاريع الإنتاجية والتسويقية التي قمت بها محط الإعجاب والإكبار من كل المطلعين عليها فالأرباح مجزية سواء في السوق المحلي أم في أسواق الاتحاد السوفييتي والسوق الفرنسي. كان المستقبل يبدو باهرا وكان جميع العاملين في جميع النشاطات الإنتاجية والتسويقية يشكلون فريق عمل متكامل ومتفان ومخلص يتمتع بالخبرة وينعم بالكفاية المادية والراحة النفسية.
الانسحاب المفاجئ لرئيف قباتي وعبد الرزاق الصوفي في الأسبوع الثاني من تشرين الثاني عام 1989 قدم إلى شركة »قباني وحملي وسيف وشركاهم« الشريكان رئييف قباني الذي كان يملك (11/30 سهم) وعبد الرزاق الصوفي (3/30 سهم)، وبدون سابق إنذار طلبا عقد اجتماع للشركاء. فاستدعيت بقية الشركاء وهم زهير الحملي 6/30سهم وعبد الله رحمون 2/30 سهم فطلب السيدان قباني والصوفي القيام بجولة في المصنع وراح رئيف قباني يبدي عدم رضاه عن كل ما يراه ويشكك بصحة كل المعلومات التي نقدمها له وفي الاجتماع الذي عقد بعد الجولة كان رئيف قباني منفعلاً جدا وبدأ يتكلم عن وضعه الصحي السيئ وطلب مني مساعدته بالخلاص من هذه الشركة الفوضوية التي قد تسبب له أزمة قلبية جديدة تقضي عليه. كنت في حالة من الذهول للتناقض الكبير في صورة الشركة كما يراها رئيف قباني والصورة المشرقة التي يثبتها واقع العمل ونتائج حسابات الشركة، حاولت أن أجد لذلك تفسيرا لكن دون جدوى وفوجئت كثيرا عندما عرض علي رغبته في بيع حصته بالسعر الذي احدده وأكد لي أنه يقبل بأي سعر أضعه وبعد أن فكرت لبضع دقائق وضعت سعرا مجزيا متوخيا الأمانة مع ثقتي بأنه الطرف الخاسر في المستقبل لما كنا نتوقعه من خير كبير على المدى البعيد.
قبل رئيف قباني عرضي فورا وطلب جدولة الدفع حيث كان المبلغ الناتج عن قيمةبيع حصته مضافاً إليه ما كان قدمه من القروض للشركة (53) مليون ل.س. وقدمت اقتراح بطريقة الجدولة فقبله فورا. بعد أن قرأنا الفاتحة على نية التوفيق في هذه الصفقة، فاجأني عبد الرزاق الصوفي (الذي تربطة صلة قرابة وصداقة مع رئيف قباني) برغبته بالبيع بنفس الشروط مع استعطافي لأخذ وضعه المالي الضعيف بعيد الاعتبار والإسراع في تسديد قيمة حصته المسجلة باسم زوجته هالة يونس وحتى تلك اللحظة لم أشك بأي سوء نية من تلك الصفقة المستعجلة، وانتهى الاجتماع في الشرة في الساعة الثالثة ظهراً بعد الاتفاق على كل شيئ وطلب السيد رئيف قباني توثيق البيع والمدفوعات في مساء نفس اليوم بسبب اضطراره للسفر في اليوم التالي.
وفي الساعة السابعة تم الاجتماع في بيت رئيف قباني وكانت كل وثائق العقود والدفع مهيأة من قبل محامي رئيف قباني السيد محمد الغضبان. وعندما قرأت التعهد الذي يجب أن أوقعه، والقاضي بإلزامي بدفع الضرائب مهما كان نوعها ومصدرها والأسباب التي تفرض فيها، حتى في حال إلغاء الإعفاء الضريبي الذي تتمتع به الشركة حاليا أو أية ضرائب أو رسوم تطالب بها الشركة منذ بدء تأسيسها، اعتبرت أن الخوض في تلك التفاصيل حذلقة من قبل المحامين ليعطوا عملهم قيمة تغطي ما يتقاضونه من أجور مرتفعة لأن الشركة أصلا معفاة من جميع الضرائب حسب المرسوم 103 لعام 52 والذي جرى تثبيت انتفاعها به من قبل مراقبي الدخل في مناسبات عديدة ولم يحصل في تاريخ سورية أن سمعنا بأن وزارة المالية ألغت استفادة أي شركة من الإعفاء الصناعي.
التوقف المؤقت لصادرات روسيا وبداية الكارثة
بعد عشرة أيام من خروج قباني والصوفي من الشركة طلبت وزارة الاقتصاد توقيف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي مؤقتا بحجة إجراء مسح للوصول إلى إحصائيات دقيقة لمجمل ما تم تصديره بغية تنظيم عمليات التصدير في المستقبل واستبعاد عمليات التصدير الوهمية التي قام بها البعض وخاصة مصدري الشامبو والعطور بالتواطؤ مع الطرف السوفييتي، حيث كانت تحدث عمليات تلاعب غير معقولة. بعد أسبوعين من ذلك القرار زار شركة »داريا قباني وحملي وسيف« سابقاً خمسة من أعضاء القيادة القطرية من بينهم السيد رشيد اختريني المسؤول الاقتصادي في القيادة القطرية. أبد الجميع إعجابهم بكل ما رأوه بالشركة. وطمأنني السيد اختريني بأن توقيف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي يهدف إلى قطع الطريق على كل المتلاعبين ممن يقومون بالتصدير الوهمي. وقال أننا سنقطع الطريق على الذين يصدرون مياه صفراء باسم شامبو أما المصدرين سيلقون كل الرعاية. وبعد هذه الزيارة زال القلق الذي كنت أعيشه واستمر الإنتاج بالشكل الطبيعي وكان بحدود 5000 قطعة يوميا مخصصة إلى الاتحاد السوفييتي والسوق الفرنسي والسوق المحلي.
شروط تعجيزية
قبل نهاية العام جاءت الضربة الموجعة الثانية التي تمثلت بتعليمات وزارة الاقتصاد بضرورة حصول المصدرين إلى الاتحاد السوفييتي على إجازة مسبقة للتصدير وبأن أحد شروط الحصول على الإجازة هو تسديد جميع التعهدات السابقة والقاضية بتصدير ما نسبته 20% من صادرات الاتحاد السوفييتي إلى الأسواق الحرة، وكانت هذه التعهدات متراكمة لعدد من السنين لعدم استطاعة البضائع السورية المنافسة في الأسواق الحرة وخاصة من ناحية الجودة.
ونظرا لضخامة حجم التعهدات تلك وللفرق الكبير في تحديد سعر دولار الصادرات إلى الاتحاد السوفييتي بـ 2.11 ل.س. لكل دولار بينما سعر دولار الحر يعادل 4 أضعاف (أي أن نسبة الـ 20% هي في الحقيقة 80%) دبت الفوضى نظرا للطلب الشديد على التصدير للسوق الحر واستفادة مكاتب الشحن بفرض عمولة تراوحت بين 2-5.3 ل.س لكل دولار تصدير وبلغت تعهدات التصدير لمجمل شركتي القدم وداريا والتي لم نستطيع تسديدها 5 مليون دولار أي اضطررنا إلى دفع ما يقارب 12 مليونا ل.س لتغطيتها وبعد أن أتممنا تسديدها تقدمنا بطلب الحصول على إجازة تصدير فجاء قرار وزارة الاقتصاد بوجوب إعادة القطع الناتج عن الصادرات إلى السوق الحر قبل الحصول على إجازة جديدة للتصدير للاتحاد السوفييتي ونتيجة لعدم تمكن الكثير من المصدرين، ومنهم شركتنا، من القيام بذلك فقد نشأت سوق جديدة يسدد فيها من يملك المال تعهدات إعادة القطع ويتقاضي عمولة (1-3) ل.س. على تسديد كل دولار مع احتفاظه بحق الاستيراد الناتج عن تسديد دولار التصدير واضطرت الشركة لإتمام هذه العملية إلى دفع ما يقارب 10 ملينو ل.س. أخرى بالإضافة إلى خسارتها حق الانتفاع من دولار التصدير في تمويل مستورداتها. وخلال الفترة بين وقف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي والحصول على أول إجازة امتلأت مستودعاتنا بكميات كبيرة من البضائع الجاهزة والمواد الأولية المحلية والمستوردة، مما اضطرنا إلى توقيف ثلثي العمال بالتناوب لفترة زادت عن ثلاثة أشهر ودفع أجورهم أثناء عطلة العمل مما أضاف خسائر جديدة.
وعند حصولنا على إجازة التصدير ظهرت مشكلة عدم توفر السفن الكافية لشحن البضائع لان المصدرين الكبار من أصحاب النفوذ، وخاصة مصدري الكميات الكبيرة من الشامبو والعطورات والمواد الغذائية، استطاعوا الاستئثار بطاقات الشحن المتوفرة وهكذا تأخر شحن بضائعنا على الرغم من حصولنا على إجازة. وبعد كل الجهود التي بذلت تمكنا من تصدير ما يقارب ثلث الكميات المتعاقد عليها وبقيت الأقمشة واللوازم المتوفرة لإنتاج القسم الباقي من العقود في مستودعاتنا. وتمكنا في العام التالي من شحن بعض العقود الأخرى ليصبح نسبة العقود المشحونة 45%
بعد انقطاع الأمل بتصدير أية كميات إضافية من تلك العقود تخلف في مستودعاتنا كميات كبيرة من الملابس الجاهزة والأقمشة واللوازم المخصصة لتلك العقود ونظرا لطبيعة تلك العقود من حيث عدد القطع (حوالي 100 ألف قطعة للموديل الواحد) وأشكال الموديلات وألوانها التي تحمل خصوصية السوق السوفييتي فقد بات من المتعذر إيجاد أسواق تصديرية بديلة لتصريفها مما اضطرنا إلى بيع الكثير منها في السوق المحلية بأسعار رمزية تراوحت بين 10-50% من كلفتها. كما تم إتلاف الكثير من المواد مثل لوازم التعبئة المطبوعة وورق الطباعة على القماش لتعذر بيعها وتقدر مجموع خسائر التخلص من مخلفات العقود الروسية بـ 45 مليون ل.س.
إيجاد أسواق بديلة عن السوق السوفييتي
منذ بداية عام 1989 وضعت برنامجا لإيجاد أسواق بديلة عن سوق الاتحاد السوفييتي وتمكنت في نفس العام من تصدير بعض منتجاتنا إلى فرنسا وبيعها مباشرة للمستهلك الفرنسي، وكانت السوق الألمانية هدفا صعبا يتطلب مستوى عال من الجودة لذا بدأت البحث عن وسيلة لشراء الخبرة من إحدى الشركات الألمانية المتخصصة وكان لي ذلك فوقعت عقدا لتدريب 13 عنصرا كنت على رأسهم في مصنع ألماني ينتج القمصان ذات المستوى الرفيع. تم ذلك في النصف الثاني من تشرين الثاني 1989 وعند انتهاء مدة التدريب استطعت إقناع نفس الشركة بتصنيع جزء من منتجاتها في سورية. وبدأ الإنتاج بعقود صغيرة تجريبية في بداية 1990 وبذلك كنا أول شركة سورية تصنع لصالح شركة أوروبية مستفيدة من الاتفاقية الموقعة بين سورية والسوق الأوروبية الموقعة عام 1977. ويقضي هذا النوع من التصنيع (الإدخال المؤقت) بأن ترسل الشركة الأوروبية جميع الأقمشة واللوازم وتعليمات التصنيع التفصيلية عن طريق التصنيع ونسخة من الموديل المطلوب تصنيعه وخبيرا يشرف على الإنتاج وتأهيل الكوادر بحيث نقوم في سورية بالقص والخياطة والكوي والتعبئة ويطلق على هذا النوع من التصنيع عالميا تسمية C.M.. وكان ذلك مناسبا جدا ويوفر فرص للعمل دون الحاجة لتمويل المواد الأولية مما وفر إمكانية تشغيل العمال رغم عدم توفر السيولة.
لقد بدأنا هذا النوع من التصنيع في مطلع 1990 ومجمل شركاتنا تمر بأزمة صادرات الاتحاد السوفييتي مما جعلني استعيد الأمل في المستقبل إذا توقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي بكشل نهائي. لقد أعطتني العلاقة مع تلك الشركة المشهورة ثقة بالنفس وعززت سمعتي وفتحت لي أبواب السوق الأوروبي فتمكنت بعد فترة قصيرة من إقناع شركة ألمانية أخرى بالتصنيع عندنا وبكميات أكبر.
بدء عقود التصدير مع شركة اديداس العالمية
في عام 1990 زار سورية وفد من شركة اديداس لبحث إمكانية التصنيع في سورية. وبعد الاطلاع على إمكانات مصنعي الملابس في دمشق وحلب استقر رأيهم على اتعامل مع شركتي شريطة أن يتم الإنتاج في المنطقة الحرة بدمشق تفاديا للتعقيدات والبيروقراطية التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير تسليم العقود. وما أن تم التعاقد حتى بدأت تأسيس معمل جديد أصبح جاهزاً للإنتاج خلال 90 يوماً في المنطقة الحرة بدمشق على الرغم من أن منتجات اديداس الرياضية تحتاج إلى العديد من الآلات التخصصية التي توجب علينا شراءها، وتم شحن بعضها بالطائرة فأغلقت معمل القم ونقلت آلاته وعماله إلى المعمل الجديد في المنطقة الحرة للبدء بإنتاج عقود اديداس وكذلك كان علينا تدريب وتأهيل كوادر تستطيع تلبية متطلبات اديداس التي تختلف تقنية تصنيعا عن القمصان الرجالية والبلوزات النسائية فتم لهذه الغاية تدريب بعض فنيينا في معمل اديداس في فرنسا.
وعند بدء الإنتاج في صيف 1990 أرسلت أديداس خبيرا أقام في دمشق للإشراف على الإتاج وكان نجاحنا كبيرا أدى إلى كسب ثقتها فزادت من عقودها بنهاية 1990 وبلغ إنتاج ذروته في شباط 1991 حيث زاد عدد العاملين لدى عن 500 عامل.
ولكن لسوء الحظ تطورت حرب الخليج بشكل متسارع وتم اتخاذ قرار بوقف جميع وسائل الشحن البحرية والجوية والبرية. ومن المعلوم أن شهر شباط هو ذروة موسم تسليم البضائع الصيفية. وخلال يوم واحد تلقيت من شركتي القمصان الألمانيتين قراراً بوقف التصنيع في سورية وعدم إرسال أية عقود جديدة نتيجة ما تكبدوه من أضرارم لعدم استلامهم العقود التي أنتجناها في شهري كانون الثاني وشباط.
بقيت اديداس الزبون الوحيد الذي يقدر ظرفنا ووعد بزيادة الكميات ولكن توقف إنتاجنا من القمصان وما ترتب عن حرب الخليج واضطرارنا إلى شحن الكميات المتراكمة على حسابنا جواً تفاديا من التأخير رتب خسائر كبيرة زادت عن 20 مليون ل.س أضيفت إلى خسائرنا الناتجة عن وقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي.
إلغاء الإعفاء الصناعي ورفع الضريبة 400 بالمئة وبأثر رجعي
لقد تأسست شركة داريا (قباني وحملي وسيف) مستفيدة من الإعفاءات المالية المنصوص عليها بالمرسوم التشريعي 103 لعام 52 ولمدة 3 سنوات. وتم تثبيت ذلك بكتاب وزارة الصناعة تاريخ 18/04/1988 أقرت هذا الحق مراقبة الدخل في تقريرها الذي قدمته عام 1990 وكتاب وزير المالية رقم 2612 بتاريخ 14/12/1989.
في ربيع 1990 عقد اجتماع في مكتب وزير الاقتصاد حضره وزير المالية تقرر في وبكل بساطة رفع تقديرات الأرباح على صادرات الملابس إلى الاتحاد السوفييتي إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه في الأعوام السابقة أي من 75.4 إلى 19% مع الإصرار على تنفيذ هذا القرار بأثر رجعي بدءاً من تكاليف 1987؟ وبعد فترة وجيزة من رفع نسبة الأرباح وبتاريخ 5/3/90 قررت لجنة الترشيد اعتبار جميع الصادرات إلى الاتحاد السوفييتي نشاطا تجاريا لا يستفيد من الإعفاءات المالية المنصوص عنها في المرسوم / 103 / لعام 1952. وبأثر رجعي أيضا يعود إلى تكاليف 1987. في البداية لم يصدق أحد أن هذه القرارات الجائرة والمخالفة للدستور سوف يتم تنفيذها وقام وفد من غرف الصناعة والتجارة بتقديم شكوى إلى وزير الاقتصاد منذرين بأن تطبيقها سوف يؤدي إلى إعلان إفلاس الكثير من الشركات في دمشق وحلب بعد مضي ما يقارب العام صدر القانون رقم /20/ تاريخ 06/07/1991 القاضي بتخفيض النسب على الشرائح الضريبية كخطوة جديدة على طريق تشجيع الصناعة والتصدير وتضمن القانون المذكور ما يلي :
المادة /5/ لا تستفيد عمليات التصدير إلى دول اتفاقيات الدفع من الإعفاء من ضريبة الدخل على الأرباح المنصوص عنها في المرسوم التشريعي رقم 103 لعام 1952 وتعديلاته المادة /6/ ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويعتبر نافذا بدءا من أول سنة التالية لتاريخ صدوره، ولكن اجتهادات وزارة المالية ضربت بعرض الحائط النص الواضح في القانون وألغت حق الاستفادة من الإعفاء الصناعي لصادرات الاتحاد السوفييتي بأثر رجعي يعود لتكاليف 87 خلافا للقانون. كما عمدت وخلافا لنص وروح القانون وأسبابه الموجبة القاضية بتخفيض الشرائح الضريبية إلى رفع التكاليف الضريبية إلى 4 أضعاف وبأثر رجعي إلى عام 1987. وفعلا بات لزاما على أن أكون واحدا من أصحاب الشركات المفلسة حيث أن قرار رفع نسبة الربح 4 مرات وإلغاء الإعفاء الصناعي يلزمني بدفع حوالي 73 مليون ل.س. عن شركتي القدم وداريا بينما كانت حسب تقديراتنا قياسا بالسنوات السابقة (أي باستعمال حقنا بالإعفاء الصناعي لشركة داريا) لا تتجاوز 8 ملايين ل.س. أي أن ضريبة غير منظورة لم تكن في الحسبان بمبلغ 65 مليون ل.س. ستضاف إلى مجمل الخسائر التي تكلمت عنها سابقا والناتجة عن ملابسات وقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي حتي وصل مجموع الخسائر إلى 161 مليون ل.س.
1991 عام الخيارات الصعبة وتقرير المصير
بدأ عام 1991 والشركة ترزح تحت عبء خسائر فادحة ونقص حاد بالسيولة وكان الخيار الصعب بإعلان الإفلاس يبدو وكأنه النهاية الأكيدة للشركة مما يعني تكبد خسائر إضافية نتيجة بيع الموجودات والأبنية والمواد الأولية وتسريح جميع العاملين الي وصل عددهم في تلك الفترة إلى حوالي 800 عامل وهذا يعني خسائر لا تعوض إذا ما قدرنا القيمة الحقيقية لمثل هذه المجموعة المتكاملة والمدربة على الأعمال التخصصية والتي اكتسبت خبرتها على مدى سنين طويلة. ثم جاءت حرب الخليج لتفاقم من الخسائر حيث اضطررت إلى تأجيل إعلان نسبة الأرباح للمساهمين ريثما يتم اتخاذ قرار نهائي بمصير الشركة في نهاية شهر آذار بدأ الحديث عن قرب بدء إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تشجيع القطاع الخاص الصناعي والتصدير وتجدد الأمل وزادت شركة اديداس من عقودها بشكل كبير فقررت بموافقة شريكي هشام منكش عدم إظهار الخسائر للمساهمين وإعلان نسبة ربح وهمية قدرت بـ (21%) عن عام 1990 وبالفعل صدر قانون الاستثمار رقم 10 بتاريخ 04/05/1991 ثم تبعها بتاريخ 06/07/1991 القانون رقم 20 القاضي بتخفيض الشرائح الضريبية بما يقارب الثلث وفي شهر تموز قام أحد كبار مدراء اديداس بزيارتنا في دمشق لمدة ثلاثة أيام وتركت في نفسه كل الحب والاحترام والتقدير للشعب السوري لما رأى من تفان بالعمل وسولك حضاري عند العمال في الشركة حيث قمنا في نهاية زيارته بدعوته إلى حفل أعياد ميلاد العمال في مزرعة الشركة. فقضى أربع ساعت شاركهم حفلة السمر والبرنامج الذي احتوى الكثير من النشاطات الفنية والترفيهية. وكانت تلازمه مترجمة خاصة تطلعه على كل صغيرة وكبيرة وتفسح له مجال الحوار مع العمال. وعند اختتام الحفل وجه كلمة قال فيها:
لقد عزز هذا الأمل الجديد الذي أضيف إلى صدور المرسوم رقم 10 إمكانية الاستمرار وتعويض ما تكبدته من خسائر. وتطورت مفاوضات التوكيل بسرعة غير معهودة عند شركة اديداس. وفي آخر يوم عمل قبل عطلة عيد الميلاد اصطحبت شريكي هشام منكش إلى ألمانيا لتوقيع عقد التوكيل الذي كان بشروط ميسرة جدا جعلت منه أثمن هدية بمناسبة عيد الميلاد. بالإضافة إلى هذا الأمل الكبير جاء مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في تشرين الثاني فتعاظمت الآمال أكثر بالخروج من الأزمة.
انسحاب الشريك هشام منكش عام 1992
بعد الحصول علي توكيل اديداس بدأت وشريكي التحضير للاستفادة منه ومن القانون رقم 10. كان ذلك التحضير يتطلب استثمار أموال طائلة وجدنا أنه لا يمكن الحصول عليها دون إعلان نسبة ربح مغرية للمستثمرين فقررنا إعطاء نسبة 21% عن عام 91 رغم كل خسائر ذلك العام والخسائر المدورة من الأعوام السابقة. ولكنني فوجئت فور إقرار النسبة بشريكي يطلب الانسحاب والحصول على كل رأسماله الموظف منذ عام 1989 مع تقاضي نسبة أرباح أسوة بالمساهمين. وكان خياري الوحيد هو الرضوخ لطلبه لأنني كنت الطرف الملتزم اتجاه المساهمين رغم أن نصف الشركة مسجل باسمه الذي أدرج أيضاً في عقد توكيل أديداس وفي طلب الترخيص الذي قدمناه للاستفادة من قانون الاستثمار رقم 10 وكان أي خيار آخر يعني إعلان الإفلاس في تلك الظروف الصعبة من ناحية وضياع الآمال الذي يحملها المستقبل في السنين القادمة.
بناء مصنع اديداس »جرأة أم تهور«؟
بعد انسحاب شريكي هشام منكش، واضطرار شركة حاكمة ودرويش وسيف وشركاهم إلى الإغلاق بسبب الضرائب الجائرة، والضغوطات الشديدة من الدوائر المالية على شركة داريا، والخسائر المخيفة المدرورة، وقفت حائرا أمام مسؤليتي اتجاه المساهمين وكلهم من الأهل والأصدقاء وكان لا بد لي من اتخاذ قرار حاسم أما إعلان الإفلاس وكبد خسائر إضافية نتيجة التصفية وضياع كامل القيمة المعنوية لوكالة اديداس والتي تقدر بحدها الأدنى بـ 50 مليون ل.س. مما يعني أن المساهمين قد لا يحصلون إلا على جزء بسيط من رأسمالهم وقد لا يتجاوز 25% أو الاستمرار مع الاستفادة القصوى من التسهيلات التي منحها قانون الاستثمار بإعفاء سبع سنوات من كافة الضرائب واستثمار توكيل اديداس بالشكل الأمثل ومضاعفة الصادرات التي كانت في متناول اليد مما يوفر أرباحاً مجزية أستطيع من خلالها إطفاء الخسائر على مدى خمس سنوات وأضمن الحفاظ على أموال المساهمين مع تحقيق أرباح إضافية إذا سارت الأمور طبقا للتوقعات التي يرجحها ما كنت أملكه من أسباب النجاح.
لقد اتخذت قراري بالاستمرار ودخلت في سباق مع الزمن لأن ضياع أية سنة إضافية يعني نهاية مأساوية ولحسن الحظ وجدت بناء جاهزا على الهيكل بمساحة 6000م2 يملكه أحد أصدقائي وكانت أسعار تلك الفترة (صيف 92) في دورتها حيث قدرت قيمة البناء بـ 60 مليون ل.س. على وضعه الراهن ونتيجة العلاقة الحميمة مع المالك استطعت استئجار المكان مع شرط بناء نصاصي بمساحة 1200م2 بالطابق الأول وإضافة طابق جديد كامل بأجر سنوي يبلغ 9 مليون ل.س. وبدأت بالعمل المكثف على الفور وأصبح المصنع جاهزا للإنتاج وسارت الأمور على مايرام.
واكتملت الفرحة وزاد الأمل عندما قررت لجنة الترشيد المنعقدة بتاريخ 15/03/1993 السماح للشركة الجديدة استثنائيا باستيراد أحذية اديداس بنسبة 15% من صادرات الملابس الرياضية وفعلا استطاعت الشركة أن تصدر ما يقارب 5 مليون دولار في سنة التأسيس (1993) وافتتحت حوالي 30 منفذ لبيع المفرق في سورية لمنتجات اديداس الكاملة. وكان شراء ماجد الزايد لنصف الشركة الجديدة في منتصف عام 1993 عاملاً هاماً في توفير السيولة اللازمة مكن الشركة من العمل بطاقتها القصوى.
دخولي المعترك السياسي
بعد ظهور نتائج انتخابات عام 1994 فوجئت بحصولي على أعلى أصوات بين المستقلين عن مدينة دمشقة فئة (ب) وشعرت بحجم الأمانة الملقاة على عاتقي في الكفاح لتحقيق ما كنت قد قدمته في برنامج الحملة الانتخابية الذي يتلخص بضرورة قيام صناعة وطنية متطورة قادرة على تحقيق الرفاه وتوفير فرص عمل لأبناء الشعب.
قدمت مداخلتي الأولى عند مناقشة البيان الوزاري بتاريخ 15/11/،1994 فلم ترق للحكومة حيث ورد فيها (أن المنشآت الصناعية في بلدنا لكي تتمكن من الاستمرار على قيد الحياة يجب أن تتمتع بقوى خارقة فهي متروكة لقدرها لتحل مشاكلها بنفسها وتتغلب على ما يوضع في عجلاتها من عصى). كما بينت المداخلة مدى الضرر الناتج عن إهمال الحكومة للصناعة وتقدمت بـ 20 مطلبا محددا لإنقاذ الصناعة الوطنية توقعت أن تبدي الحكومة شيئا من الاهتمام ولكن المداخلة لم تلق إلا الاستخفاف وكأن نقاشات مجلس الشعب مجرد كلام.
بتاريخ 12/03/1995 قدمت مداخلة بمناسبة إغلاق حسابات الموازنة العامة للدولة لعام 1993 بعد أن اطلعت بشكل دقيق على ما نواجه من مشاكل اقتصادية نتجت بمعظمها عن السياسة المالية الخاطئة للحكومة. ونوهت فيها عن خطر ما نعيشه من فوضى ضريبية وحذرت من الركود الاقتصادي الذي بدأ في تلك الفترة نتيجة سياسة الحكومة بسحب السيولة النقدية من التداول عن طريق زيادة التحصيل الضريبي وعدم تنفيذ المشاريع الاستثمارية. وبدلاً من تجاوب وزير المالية وفتح الحوار للوقوف على حقيقة ما ورد في المداخلة قام بمقاطعتي أثناء تقديم المداخلة ثم بادر بالإيعاز على نبش كل ما قمت به من نشاطات ابتداء من عام 1988. وفرض ضرائب لا يقبلها عقل ولا منطق من وضع حجوزات على ممتلكاتي وممتلكات أبنائي والإعلان عن بيع معمل ابني جواد بالمزاد العلني.
استسلام مؤقت
في الفترة التي بدأت ضغوطات وزارة المالية ترهقني وتسببت لي الكثير من الخسائر المادية والمعنوية تلقيت دعوة من مدير مالية دمشق محمد أديب النوري أن التقي به في مكتبه ليبلغني أمرا يسرني كثيرا، وبدء حديثه بتمهيد انه ابن حارتنا ويريد مساعدتي، وأنني لن أجني من استمرار هجومي علي وزارة المالية إلا مزيدا من الخسائر. وأضاف انه لا مانع من بعض النقد وأنا أنبهك على النقاط التي يمكنك أن تنتقد بها كما فعلت مع بعض زملائك في المجلس وبعد صدور الميزانية سأرتب جلسة مصالحة مع الوزير وأنا متأكد أن كل مشاكلك ستحل.
كانت الضغوط كبيرة على في تلك الفترة فشعرت بأن إبداء شئ من المجاملة لا يضير المصلحة العامة وسيحميني من كيد وزير المالية. وفعلا قدمت بتاريخ 10/04/1996 مداخلة بدأتها بالفقرة التالية :
(لا شك أن النقد سهل ولكن العمل وتحمل المسؤولية يحتاجان إلى الكثير من الجهد والعناء وحتى نكون منصفين مع الحكومة الموقرة نقول كما قال الحديث الشريف »للمجتهد إذا أصاب أجران وإذا اخطأ أجر واحد«. وبحكم واجبنا كممثلين للشعب علينا أن نقوم بفرز الأخطاء إن وجدت وتسليط الضوء عليها والمساعدة في إيجاد أفضل الطرق لتصحيحها. إن في الموازنة الكثير من السمات الإيجابية من أبرزها زيادة النفقات الاستثمارية بنسبة 44.23% مما يؤكد قناعة الحكومة بضرورة إسراع الخطى في زيادة الإنتاج وتحسينه لرفع قيمة الناتج القومي، كما أن اهتمام الحكومة بتوفير حوالي 90 ألف فرصة عمل هو أمر يستحق الثناء شريطة أن يساهم في زيادة الإنتاج وتحسين الخدمات وليس لمجرد تخفيف حدة البطالة). وبعد هذه المقدمة المنافقة من إنسان مهزوم تابعت مداخلتي مخلصا لواجبي كعضو في مجلس الشعب مسلطا الضوء على أخطاء خطيرة في سياسة الحكومة المالية حيث تابعت قائلا:
(إن السياسة المالية والاقتصادية وما ينظمها من قوانين هي من أهم العوامل المؤثرة في التنمية والتوازن الاجتماعي وإن نظرة عامة للواقع الاجتماعي تظهر أن الطبقة المتوسطة في سورية تذوب سنة بعد سنة بفعل التضخم حيث يتحول القسم الأعظم منها لينضم إلى الطبقة الفقيرة وينتقل عدد محدود من المحظوظين أو ممن برعوا باستغلال الثغرات التي تخلقها القوانين القاصرة عن مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية لينضموا إلى طبقة الميسورين أو المفرطين في الثراء).
وكانت بقية المداخلة مليئة بالحقائق المرة عن الأخطاء الاستراتيجية في السياسة الاقتصادية والمالية للحكومة. ورغم أنها كانت صادقة بمجملها إلا أنني شعرت بالخجل من مقدمتها وعاهدت نفسي أن لا أعود إلى مجاملة الحكومة بغير حق مهما كلفني ذلك من خسائر. وبالطبع لم تقربني من وزارة المالية بل زادت من حقده ومن حنق كل المسؤولين عن السياسة الاقتصادية في الحكومة. وبعد أسبوعين، وتحديداً بتاريخ 24/4/1996 قدمت مداخلة ثانية حول بيان لجنة الموازنة لعام 1996 سلطت فيها الأضواء على واقع اقتصادنا الأليم وهزالة ناتجنا القومي وما تعانيه الأكثرية من ظلم اجتماعي واقتصادي. وكنت في كل مرة أقدم فيها مداخلة في المجلس أقاطع من قبل وزير المالية الذي يتهمني بالتهرب من دفع الضرائب مما اضطر السيد رئيس المجلس لأن ينبهه في إحدى الجلسات قائلا: »إن الزميل رياض سيف يتكلم عن أمورة عامة وأنت الذي يحول النقاش إلى هجوم على شخصه. ويجب أن تعلم أن لكل عضو في هذا المجلس أن يتكلم ما يشاء وما عليك سوى الرد عندما آذن لك بالحديث«. ثم طلب منه الجلوس والتوقف عن الكلام.
بتاريخ 07/12/96 قدمت مداخلة بمناسبة مناقشة إغلاق الموازنة العامة للدولة لعامة 1994 عنونتها »عصى وزارة المالية في عجلات الصناعة« فضحت فيها ما نعيشه من فوضى ضريبية تقف مانعا أمام تطور صناعتنا الوطنية ثم اتبعتها في 21/12/96 وبنفس المناسبة بمداخلة أوضحت فيها، وبأرقام مأخوذة من الجداول التفصيلية لقطع حسابات،94 حجم التناقضات في تنفيذ ميزانية الدولة مسلطاً الضوء على التحصيل العشوائي وقد ورد فيها ما يلي :
»إن الفترة الزمنية بين إقرار موازنة 94 في مجلس الشعب ونهاية السنة الجارية للضرائب والرسوم بلغت 175% وكلنا يعلم أن وزارة المالية ومنذ سنوات طويلة لا تعترف على أية ميزانية تقدم لها من فعالياتالقطاع الخاص وأن الطريقة المتبعة في وزرة المالية هي تقديرات مزاجية من أناس غير مؤهلين ولا يحملون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة قد أعطوا صلاحيات غير محدودة لفرض ما يشاءون من ضريبة مستعملين ما منحوا من تفويض في حجز أموال أملاك المواطنين ومصادرتها وحجب براءات الذمة عمن يعترض على قراراتهم الجائرة«.
الركود الاقتصادي في سورية الأسباب والحلول
اشتدت وطأة الركود الاقتصادي وبدأت آثاره السلبية تتفاقهم لذلك وجدت من وجابي أن أطلق صرخة تحذير عبر دراسة من سبع صفحات بعنوان »الركود الاقتصادي في سورية : الأسباب والحلول« بتاريخ 14/09/1996 وزعتها على أعضاء السطتين التشريعية والتنفيذية وغيرهم من المهتمين بالاقتصاد وقد لاقت انتشاراً واسعاً وكثر الحديث حولها وتم نشر العديد من التحليلات عنها كان آخرها ما نشرته »نضال الشعب« بتاريخ 06/02/1997 بقلم الباحث الأستاذ محمد الجندي الذي ختم مقالته بالمقطع التالي :
»إن الإصلاح الاقتصادي مهما كانت وصفاته يتطلب أن تبقى الإدارة وطنية وأن يحافظ على استقلال البلاد السياسي والاقتصادي، وكل أنواع الخلل الاقتصادي المذكوة في نشرة السيد رياض سيف هي نتائج تفصيلية لكون إدارة الاقتصاد الحالية هي واقعيا غير وطنية وأول خطوة للخروج من ذلك هو أن تعمل الإدارة السياسية على بناء إدارة اقتصادية وطنية«.
وعند قراءتي لذلك المقال شعرت بأنه رغم موضوعيته في مجمل المقال فإنه استسلم تحت تأثير غيرته الشديدة على المصالح الوطنية لانفعالات ساقته إلى صب جام غضبته على إدارة الاقتصاد في الحكومة. وفهمت أنا من عبارة »إن إدارة الاقتصاد الحالية هي واقعيا غير وطنية« أن النتائج السيئة للسياسة الاقتصادية سوف تؤثر على قوة الوطن ومنعته. في اليوم التالي قمت بزيارة لرئيس مجلس الوزراء في مكتبه لأشرح له شخصياً وجهة نظري ففاجأني بقوله : »هل أنت الوحيد الوطني؟ ونحن لسنا وطنيين؟ حسنا يمكنك أن تقول ما تشاء وتكتب ما تشاء ونحن سنفعل ما نشاء«. وخرجت من مكتبه وأنا مؤمن بأن حربا ضارية سوف تشن ضدي. وبالفعل انهال علي سيل من الإشعارات من وزارة المالية بلغ عددها 48 إشعارات كما هو مبين بالجدول رقم (5). واتخذت مجموعة من القرارات التي ألحقت بنشاطي خسائر فادحة وأهمها :
توقيف السماح باستيراد أحذية اديداس
قررت لجنة الترشيد بجلستها المنعقدة بتاريخ 23/06/97 توقيف العمل بقرار السماح لنا باستيراد الأحذية مما كبد شركة »رياض سيف وماجد« المشمولة بقانون الاستثمار خسائر مادية تزيد عن 50 مليون ل.س. يضاف إليها توقف شركة اديداس العالمية نتيجة القرار المذكور عن استيراد الملابس من شركتنا علما أن مجموع صادراتنا في فترة السماح باستيراد الأحذية وصل إلى (1353000000) ل.س. بينما لم تتعدّ مستورداتنا من الأحذية بنفس الفترة (44600000)ل.س. أي بنسبة 34.3% من الصادرات مع أن نسبة الجمارك على الأحذية المستوردة تصل إلى 102% بتحديد سعر صرف الدولار 23 ل.س كما تتقاضى مؤسسة غوتا الحكومية 5% عمولة على المستوردات. وقد بلغ ما دفع بإيصالات رسمية للجمارك (25436000) ل.س. يضاف إليها 5% عمولة غوتا أي أن خزينة الدولة تتقاضى نسبة 57% من قيمة مستورداتنا من الأحذية. وقد فتح قرار المنع من استيراد الأحذية الباب واسعا أمام المهربين للحصول عليها من لبنان.
مصادرة حق الشركة بالحصول على قرض مصرفي
في شباط عام 1997 تقدمت »شركة رياض سيف وماجد الزايد« بطلب قرض لتمويل المواد الأولية وعقود التصدير. وبعد المماطلة والتسويف لأكثر من ستة أشهر ورغم وجود كل الضمانات لمطلوبة وتوفر كل الشروط فإن المصرف رفض منحنا أي قرض وعندما سألت عن السبب كانت الإجابة هي عدم موافقة وزارة المالية بسبب تأخري عن دفع الضرائب عن سنين سابقة. بينما قدم في نفس الفترة لمستثمر واحد مشمول بقانون الاستثمار قرضان الأول بمبلغ 96 مليون لشركة تعبئة للمياه الغازية تحت بند شراء مواد أولية محلية علما أن هذه الشركة لا تستعمل من تلك المواد المحلية إلا المياه التي تقدم مجانا وبعض العبوات البلاستيكية لجزء من إنتاجها (لأن الجزء الباقي هو عبوات من الألمنيوم ومكثفات وملونات يتم استيرادها). وأما القرض الثاني الذي قدم لنفس المستثمر فبلغ 70 مليون ل.س. لشركة شبه متوقفة عن العمل قسم إلى 40 مليون ل.س. لشراء مواد أولية و30 مليون ل.س. يسدد لمدة 5 سنوات لتمويل خط جديد للإنتاج. على الرغم من أن الخط القائم يعمل بجزء بسيط من طاقته.
بتاريخ 17/2/1997 نشرت جريدة البعث ملخصاً عن المداخلة التي كنت قد قدمتها أمام المجلس بتاريخ 7/12/1996 وتعرضت فيها لما تسببه الفوضى الضريبية من أذى للصناعة الوطنية، فبادر المكتب الصحفي في وزارة المالية إلى نشر رد مطول في نفس الصحيفة. وكان ردًا مليئا بالمغالطات يتهمني فيه بالتهرب من دفع الضرائب ويتوعدني بما هو أقصى وأمر ومما ورد فيه الفقرة التالية:
»أما مصدر المعلومات للمستثمر المحلي (يعني رياض سيف) ووجهة النظر التي عرضها عبر المقال فالأمر يختلف لأن الأمر معروف للدوائر المالية ويعرفها هو أيضاًِ. فقد ترتب على المذكور ضرائب بملايين الليرات منذ عدة سنوات عن أرباحه من صادراته إلى الاتحاد السوفييتي (سابقا) ورغم منحه جميع التسهيلات والفرص من تقسيط وغيره لمساعدته على السداد فإنه لم يلتزم بالتسديد حتى الآن مما اضطر الدوائر المالية لاتخاذ الإجراءات القانونية لتحصيل حقوق الخزينة العامة. ولعل هذا المقال يشكل إحدى وسائل ومحاولات الضغط على الدوائر المالية رداً على أية إجراءات قانونية لتحصيل حقوق الخزينة العامة لكن مثل تلك المقالات لم تثنها عن القيام بواجباتها القانونية النافذة لتحقيق العدالة.
لقد اتسم الرد باستخفاف واضح بأعضاء مجلس الشعب من خلال إطلاق تسمية »مستثمر سوري« بدلا من عضو مجلس الشعب كما أظهر بشكل مفضوح الحقد والكيدية من خلال التهديد والوعيد الذي وجهه لي.
لقد فرضت جميع الضرائب المذكورة في الجدول (5) على بيع مخلفات العقود الروسية التي لم نتمكن من شحنها وكذلك على أجور تصنيع صادرات الإدخال المؤقت حيث فرضت المالية نسبة ربح 14% ووصلت ضريبتها إلى أكثر من 14% من مجمل عائدات التصدير لعام 1991 وما قبل.
ووصل ما تطالبني به المالية من ضرائب (48576000) ل.س. ليصل مجموع ما تم فرضه على نشاطي الصناعي من ضرائب 112502194 ل.س. كما بين الجدول رقم (6) قابلة للزيادة باحتمال فرض ضرائب مفتعلة جديدة على الرغم من كل الخسائر الواضحة حتى للدوائر الضريبية ووزير المالية بالذات.
ولكن الحقيقة هي ان تصفيتي كصناعي هو المطلوب لتفريغي من مصدر قوتي الاساسي الذي كان السبب في شهرتي ودخولي مجلس الشعب وقد صرح أحد الوزراء السوريين عندما قدمني لوزير عربي حين قال »رياض سيف بدأ عصامي وانهيناه عصامي«.
اتهامي كجامع أموال
يتبع.. (الجزء الثاني)