يمثل حزب الله نقطة الوصل بين النفوذين السياسيين السوري والإيراني، وهو أحد الأعمدة الرئيسية للعلاقة السورية الإيرانية منذ التسعينيات، وذلك عندما أبرم الإيرانيون اتفاقاً مع حافظ الأسد يضع أتباعهم اللبنانيين (حزب الله) في إطار السياستين السورية والإيرانية معاً في لبنان، لينهي خلافاً حاداً وصامتاً لدمشق مع إيران وحزبها يعود لخمس سنوات خلون على الأقل من هذا التاريخ، ففي أواخر كانون الثاني من عام 1989 وبعد مفاوضات طويلة حضرها الطرفان اللبنانيان المتذابحان على الهيمنة الشيعية "حركة أمل" و"حزب الله" وخلفهما كل من سورية وإيران، عقد الاتفاق الذي بموجبه حُصرت حركة أمل في العمل السياسي، وحصرت "المقاومة" المسلحة لحزب الله في شريط البقاع اللبناني الجنوبي، حيث كان الاحتلال الإسرائيلي ما يزال قائماً، والعمل مع السوريين على استقرار لبنان وفق الشروط أو "الرؤية" السياسية السورية التي ترى في لبنان نقطة ضعف عسكرية وسياسية فضلاً عن المصالح السياسية الإيرانية.
كان مبرر لجوء الإيرانيين إلى هذا الاتفاق هو اقتراب التوقيع على اتفاق الطائف الذي ثبَّت الهيمنة السورية على لبنان ومنحها اليد العليا فيه، وعلى هذا الأساس تضمن الاتفاق تسوية تُمنح بموجبها إيران اليد العليا معنى ومورداً، وتحتفظ سورية باليد العليا سياسة ووجوداً مادياً على الأرض في لبنان، ولا يمكن لإيران أن تعمل على الأرض اللبنانية خارج إرادة دمشق ومصالحها.
وعلى الرغم من أن حافظ الأسد تصادم مع حزب الله سنة 1987 وكان حزب الله يتذمر من الهيمنة السورية في لبنان ويقاومها كما يقول باتريك سيل كاتب سيرة الأسد الأب، إلا أن الأسد كان مدركاً أن يده الطولى في لبنان ستمنحه فرصة لتحويل حزب الله إلى أداة سياسية سورية فعالة للمواجهة مع إسرائيل؛ تؤمن الخاصرة السورية هنالك، وتعزز موقفه التفاوضي عبر سياسة "توحيد المسارين" السوري واللبناني في مفاوضات السلام مع الدولة العبرية؛ فقد كان على حزب الله أن ينهض بدور استمرار الأعمال العسكرية المقاومة ضد إسرائيل والتي توقع خسائر يُتوقع ألا تدفع الدولة العبرية إلى عملية عسكرية كبيرة (كتلك التي حصلت فيما بعد في تموز2006)، ولا تتركها في الوقت نفسه آمنة.
كانت إيران مدركة بأن هذا الوضع الجديد الذي جعل سورية ممسكة بخيوط اللعبة في لبنان أضعف حاجة دمشق للدور الإيراني فيما يتعلق بالسياسة الإقليمية بعد اتفاق الطائف وفك الحصار الدولي عن سورية بعد حرب الخليج الأولى، لقد أصبحت إيران بالنسبة للأسد مجرد طرف دولي فاعل في أحد طوائف لبنان، وعمل الأسد على حصرها بهذا الإطار إذ لم يعد للمحور الإيراني السوري معنى مهماً بعد حرب الخليج الثانية، ودفع بفكرته للاستفادة من التشدد الديني الشيعي للملالي إلى الحدود القصوى عندما جعل حزب الله وحده يقاتل إسرائيل في خدمة سورية وإيران، بدلاً من أن يتكبَّد الجيش السوري الخسائر المادية والمعنوية وينصرف عن ضبط اللعبة السياسية في لبنان وفق مصالحه.
كانت لبنان بالنسبة لإيران منطقة نفوذ جديدة بعد خروجها من حرب الخليج تدخلها إلى قلب الشرق الأوسط حيث تدور أهم الصراعات السياسية الدولية في المنطقة وربما في العالم، وكانت دمشق قد عملت على تفريغ لبنان من النفوذ السياسي للقوى الدولية (فرنسا وأميركا بشكل خاص) وملئه بالنفوذ السوري لكنهم منحوا الإيرانيين قليلاً منه وفق اتفاق 1987.
ومع انتصارات حزب الله ـ التي ما كانت لتحصل لولا الرعاية السورية وحصر المقاومة به والمد المالي والدعم اللوجستي الإيراني ـ تحول حزب الله إلى قوة لم يستطع الأسد الابن أن يحتفظ بالهيمنة السورية عليها فالأمر الذي سمح للإيرانيين بمزيد من النفوذ فيها.
فرنسا كانت دائماً تحاول استعادة نفوذها في لبنان ودورها الرعائي عبر رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، لكنها كانت دائماً تصطدم بالهيمنة السورية التي تملأ معظم الفراغ السياسي في لبنان، وما أن قتل الحريري وبدأ التحقيق الدولي حتى حصل تحولان: أولهما الانسحاب السوري في 2005 من لبنان ومعه انتهت الهيمنة السورية، وخلفت وراءها فراغاً سياسياً كبيراً سرعان ما عاد الفرنسيون والأميركيون لملئه، لكنها احتفظت بعلاقاتها الخاصة في لبنان من خلال حزب الله، فحزب الله ظل مرتبطاً بسورية رغم كل شيء لأنها ممره الوحيد للتسلُّح.
ثانيهما تعرض النظام السوري للتهديد من المجتمع الدولي بسبب الاشتباه به في جريمة قتل رفيق الحريري جعل الحاجة لإيران حاجة بقاء للنظام، الأمر الذي جعل سورية في موقع ضعيف بالنسبة لإيران فانقلب الميزان لصالح الإيرانيين الحاجة لإيران بعد أن كانت إيران بحاجة لسورية من أجل النفوذ في لبنان.
مع التحولات الجديدة تحول حزب الله من أداة للنفوذ إلى أداة للهيمنة على القرار اللبناني، فالفراغ السياسي في لبنان يحتله طرفان: سورية وإيران من جهة، وأميركا وفرنسا من جهة ثانية، وإذا كان الأمر كذلك فإن الصراع على النفوذ في لبنان هو في الواقع صراع بين المجتمع الدولي تتصدره فرنسا وأميركا والمحور السوري الإيراني.
ومادام الأمر كذلك، ومادام الملف الإيراني النووي مزمناً والوضع الدولي مستمراً، ومادام التحقيق الدولي لم ينته والسوريون معزولون دولياً ويواجهون وضعاً صعباً فإن الفراغ السياسي الداخلي في لبنان سيبقى ممتلئاً بالنفوذ الخارجي، وسيبقى الفراغ السياسي الذي يمثله منصب الرئاسة قائماً ربما لسنوات حتى تتغير المعادلة ويخرج منها إما السوريون أو الإيرانيون، وبدون ذلك سيبقى لبنان يعاني من فراغ سياسي داخلي كامل، يقابله امتلاء بالنفوذ السياسي الخارجي، وعلينا انطلاقاً من ذلك أن لا نتوقع نجاح مبادرة وزراء الخارجية العرب لملء الفراغ السياسي الداخلي هذا، خصوصاً وأن من عادة المعارضة (التي يتزعمها حزب الله) أن تغرق مشاريع الحلول بشيطان التفاصيل، حتى لا تبدو وأنها المعطلة للقرار اللبناني.